ابداعت رانية مرجية

تاريخ النشر: 23/11/25 | 9:09

تركتُ كلّ شيءٍ خلفي… واتّبعتُ ضميري وقلبي
تركتُ كلّ شيءٍ خلفي…

لا لأن الأشياء فقدت قيمتها،

بل لأنني اكتشفتُ

أن أجمل ما في الإنسان

حين يضع الحقيقة في مقدّمة الطريق

ويترك ما عداها يتبع أو يتلاشى.

لم ألتفت كثيرًا،

فالماضي حين يُصبح أثقل مما يجب

يعرف وحده كيف يسقط من اليدين،

وكيف يتحوّل إلى غبارٍ خفيف

لا يعود قادرًا على تقييد خطوةٍ واحدة من خطواتي.

اتبعتُ ضميري…

ذلك الرفيق الذي يتحدث بصوتٍ منخفض،

لكنه يحمل سلطةً

لا تنافسها كل الأصوات العالية في العالم.

صوتٌ لا يبيعني لأجل رضا الناس،

ولا يشتري رِضاي بثمن الحقيقة،

بل يذكّرني في كل لحظة

أن الإنسان لا يقف على قدميه حقًا

إلا عندما يقف أولًا على قيمه.

ثم مضيتُ خلف قلبي…

القلب الذي لا يقدّم الإجابات دائمًا،

لكنه يقدّم الطريق.

الذي يخطئ، نعم،

لكنه لا يخون.

الذي يتعب، نعم،

لكنه لا يكذب.

والذي حين يوجعه العالم

لا يفقد قدرته على أن يلمع

كلما مرّت عليه نسمة صدق.

تركتُ أشياء كثيرة:

أسماءً لم تعد صالحة للروح،

أماكن ضاقت عن حلمي،

نوافذ تُطلّ على فراغ،

وعلاقاتٍ تُطفئني كلما اقتربت منها.

وتركتُ بين يدي الطريق

مساحةً لشيءٍ يشبهني

وليس لشيء يشبه ما يُريده الآخرون مني.

فهمتُ في النهاية

أن التحرّر ليس حدثًا،

بل نضجًا.

وأن الشجاعة ليست صخبًا،

بل صدقًا مع النفس.

وأن اتباع الضمير والقلب

هو أعقد أنواع السفر…

وأجملها.

والعجيب…

أنني حين تركتُ كل شيء،

لم أفقد شيئًا،

بل وجدتُ نفسي

أوّل مرة كما هي:

خفيفة، واضحة،

وممتلئة بما يكفي

لأعرف أن الطريق الذي اخترته

هو الطريق الذي اختارني أيضًا.
—————————–

يا موت… مهلًا، ألا تتعب؟

يا موت…

يا حدًّا يقف عند تخوم الوجود

لا ليُرهبنا،

بل ليذكّرنا

أن كل لحظةٍ نعيشها

هي هديةٌ مؤقتة

تتوهّج في يد الزمن.

نراك قادمًا من بعيد،

لا كظلامٍ كما يتخيّل الناس،

بل كسؤالٍ قديم

يحمل في طيّاته حكمةً لا نفهمها بعد…

ونتحيّر أمامك

كما يتحيّر الضوء

حين يلامس نافذةً

لا يعرف ما خلفها.

تمهّل…

فالإنسان ضعيفٌ بما يكفي

ليتأثر بنسمة،

وقويٌّ بما يكفي

ليقوم بعد كل انكسار

وكأنه خُلق من صبرٍ أعمق

من جراحه.

نحتاج وقتًا

لنرتّب ما تبقّى في القلب،

لنمنح كلماتنا الأخيرة

حقّها من الصدق،

ولنودّع أحلامًا صغيرة

لم تجد وقتًا لتنضج.

يا موت…

نحن لا نرفض حضورك،

ولا نخاصم قدرك،

لكننا نرجوك الحكمة:

اقترب كما يقترب المساءُ الهادئ،

لا يُطفئ النهار،

بل يغيّر نبرته فقط،

ليترك للعالم فرصة

أن يلتقط أنفاسه.

لسنا نطلب خلودًا،

فالخلود أكبر من طاقتنا،

لكننا نطلب

أن تكمل أرواحنا ملامحها،

أن نقول للحياة:

كُنّا على قدرها،

وعشناها بامتنان،

وسمّينا الأشياء بأسمائها،

ولم نترك يومًا

مضى دون أن نحمله في القلب.

فتمهّل…

فعبق الوجود فينا

لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

وفي كل قلبٍ هنا

ضوءٌ صغير

يستحق أن يستمر قليلًا،

قليلًا فقط…

قبل أن ينتقل

إلى جهةٍ أخرى من السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة