حين يتكلّم الغياب
بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 19/11/25 | 16:54
كان المقعد الحجري في الساحة القديمة يطلّ على المدينة كما لو أنه جزء منها منذ بدء الخليقة.
يمرّ الناس بجانبه سريعًا، مشغولين بحياتهم، بأخبارهم، وبما لم يكتمل من أحلامهم.
لكن عند الغروب، كانت تجلس عليه امرأةٌ في الستين، كأنها جاءت لتسدّ فراغًا لا يراه أحد سواها.
تحمل دفترًا رماديًّا، جلدُه متشقق كأنه عاش أكثر من أصابعه.
كانت تفتحه ببطءٍ يشبه احترامًا لشيء مقدّس، ثم تكتب.
لم تكن تكتب قصة، ولا رسالة، ولا مذكرة يومية.
كانت تكتب ما لا يحتمله القلب حين يصمت طويلًا.
في أحد الأيام، اقترب منها شابٌ يعمل في المقهى المقابل.
كان يراها يوميًا ولا يفهم سرّ إصرارها على الكتابة في هذا المكان بالذات.
قال لها بخجل:
– لماذا تكتبين هنا دائمًا؟
لم ترفع رأسها. تركت القلم يستريح فوق الصفحة، ثم قالت بنبرة هادئة كأنها تصالح شيئًا داخلها:
– لأن هنا… كان يجلس زوجي.
ومنذ رحيله، صارت الكتابة الطريقة الوحيدة لئلا يختفي صوته تمامًا.
أراد الشاب أن يعتذر عن فضوله، لكنها تابعت:
– الناس يظنون أن موت الإنسان يحدث مرة واحدة…
لكن الحقيقة أنه يموت كلما نُسيت كلماته، وكلما سقطت حكايته من ذاكرة العالم.
وأنا أكتب كي أقاوم هذا الموت الثاني.
لم يقل الشاب شيئًا.
شعر أن المدينة من حوله تغيّرت قليلًا:
كأن الضجيج هدأ، وكأن المقعد القديم صار شاهدًا على ما خسره البشر دون أن يلتفتوا.
بعد أسبوع، وجد الشاب المقعد فارغًا…
وعليه الدفتر الرمادي وحده.
جلس مكانها لأول مرة، ثم فتح الدفتر.
لم يجد اسمها، ولا سيرة زوجها، بل وجد عبارةً وحيدة في الصفحة الأخيرة:
“إذا وصلتك كلماتي، فاقرأها بصوتٍ مرتفع…
لأن الغياب يحتاج أحيانًا إلى شريكٍ في المقاومة.”
قرأها.
لم يكن يعرف لمن يقرأ، لكنّه شعر أنه يشارك إنسانًا غائبًا في استعادة شيء من حياته.
ومنذ ذلك المساء، صار الشاب يجلس عند الغروب،
يفتح الدفتر، ويقرأ صفحةً للهواء، للعابرين، ولمن رحلوا دون أن يكتمل حضورهم.
وببطءٍ جميل، صار كثيرون يتوقفون ليسمعوا.
بعضهم ابتسم، بعضهم بكى،
وبعضهم جلس قليلًا كأنه يضع يدًا على جرحٍ لم ينتبه إليه من قبل.
وهكذا، صار الدفتر الرمادي جزءًا من ذاكرة المكان،
وصارت المرأة الغائبة حاضرةً بطريقة لم يتوقعها أحد.
فالذين نحبهم لا يغادرون حين يرحلون…
يغادرون فقط حين نتوقف نحن عن الإنصات.

