مقال: فلسطين… بين مطر غزة ونار الضفة، والعالم يواصل صمته المريب
بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 18/11/25 | 13:33
في كل مرة يظنّ الفلسطيني أنّ العالم قد وصل إلى ذروة صمته، يكتشف أن للصمت طبقات أعمق وأشدّ قسوة. فها هي الضفة الغربية من جديد تتحول إلى ساحة مفتوحة لاعتداءات المستوطنين، بينما تغرق غزة في المطر والبرد والجوع، وإسرائيل تمضي في سياستها القائمة على نفي الوجود الفلسطيني من جذوره.
الضفة… حين يصبح الاعتداء “روتيناً” يومياً
الهجوم على قرية الجبعة ليس حدثاً استثنائياً؛ هو حلقة جديدة في مسلسل طويل يشارك فيه المستوطنون والجنود معاً.
المشهد بات محفوظاً:
مستوطنون يقتحمون القرية، يحرقون البيوت والمزارع، يعيثون فساداً، ثم يغادرون بأمان بينما الجنود يقفون متفرجين أو حماةً لهم.
هل يحتاج العالم إلى مزيد من الأدلة ليفهم أن الضفة تُدار اليوم وفق منطق “القوة لمن يشاء”؟
المزارع الفلسطيني الذي يخرج في موسم الزيتون ليس ذاهباً لقطف خير أرضه، بل يخوض معركة يومية ليحمي ما تبقى من كرامة ووجود.
أما العدالة، فهي الغائب الأكبر… ربما لأنها لم تعد جزءاً من قاموس السياسة الدولية حين يتعلق الأمر بفلسطين.
غزة… الحصار يتكلم بلغة المطر والطين
في غزة، لن تسمع صوت السياسة؛ ستسمع صوت الريح وهي تقتلع خيمة، وصوت أمٍّ تبكي لأنها لا تملك ما تدفئ به أطفالها، وصوت الأقدام الغارقة في الطين.
الكارثة لم تعد نتيجة حرب فقط، بل نتيجة إصرار ممنهج على إبقاء القطاع بلا بنية تحتية، بلا حدود مفتوحة، بلا دواء ولا كهرباء.
كيف يمكن لأيّ إنسان أن يعيش في مخيم تغرقه السيول؟
كيف يمكن للفلسطيني أن يواجه هذا الكمّ من القهر ثم يُطالب بالهدوء؟
ورغم ذلك… ينهض الغزّيون كل صباح.
إنهم لا يعيشون فقط، بل يقاومون ليبقوا جزءاً من خريطة العالم.
داخل إسرائيل… خطاب سياسي يقطع الطريق على أيّ أمل
إسرائيل لا تخفي شيئاً.
قيادتها السياسية تعلن صراحة رفضها لأي حديث عن دولة فلسطينية، وكأنّ الشعب الفلسطيني خطأ تاريخي يجب “تصحيحه”.
يترافق هذا مع تقارير مروّعة عن وفاة محتجزين فلسطينيين خلال فترة اعتقالهم.
ورغم خطورة الأرقام، تمرّ الأخبار في الإعلام العالمي بخفة مريبة، كأن حياة الفلسطيني تفصيل خارج اهتمام “الديمقراطيات” التي تزعم احترام حقوق الإنسان.
الخلاصة… فلسطين ليست ضحية قدر، بل ضحية ميزان قوى أعوج
ما يحدث اليوم ليس قضاءً ولا قدراً، وليس صراعاً قديماً كما يحبّ البعض أن يروّج.
إنه نتاج وضوح سياسي لدى إسرائيل، وصمت دولي، وتخاذل إقليمي، وغياب إرادة حقيقية للعدل.
ومع ذلك—وهنا المفارقة—من بين كل هذا الخراب، يخرج الفلسطيني أكثر إصراراً على الحياة.
لا لأن الحياة سهلة، بل لأن الوجود نفسه مقاومة.
فلسطين اليوم ليست اختباراً لصلابة شعبها؛ لقد أثبتت صلابتها مراراً.
فلسطين هي اختبار لضمير العالم…
وحتى اللحظة، العالم يفشل فشلاً ذريعاً.

