قراءة نقدية في كتابَي “عرب الـ48: الهوية الممزّقة بين الشعار والممارسة” و“العرب الدروز 48: حجارة الرحى”

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 13/11/25 | 16:16

✦ سعيد نفاع… حين تكتب الهوية عن نفسها
في زمنٍ تتكاثر فيه السرديات وتتقاطع الأسئلة حول معنى الانتماء في الداخل الفلسطيني، يقدّم الكاتب والمفكّر سعيد نفاع عملين مهمّين يضيفان بعدًا ضروريًا للنقاش حول الهوية:

“عرب الـ48: الهوية الممزّقة بين الشعار والممارسة” الصادر عن دار الرعاة للدراسات والنشر – رام الله، الطبعة الأولى 2024 – 159 صفحة،

و“العرب الدروز 48: حجارة الرحى” الصادر عن دار الحديث – 256 صفحة.

هذان الكتابان لا يكتبان عن الهوية فحسب؛

بل يفسحان المجال لها كي تكتب عن نفسها، بكل ما فيها من تناقض وجمال وجرح مفتوح.

✦ أولاً: عرب الـ48… حين يصبح العيش معادلة صعبة

يقدّم نفاع في كتابه الأول قراءة نقدية متوازنة لواقع الفلسطيني داخل إسرائيل، بعيدًا عن الانفعال، وبعيدًا أيضًا عن التبسيط المُخلّ.

فالهوية هنا ليست شعارًا سياسيًا، بل تجربة حياة تتأرجح بين ذاكرة قومية ثابتة، وواقع قانوني وسياسي تحكمه موازين القوى، وحياة يومية تحتاج إلى قدر كبير من التكيّف.

يتناول الكتاب الفجوة بين الخطاب والممارسة، بين ما يُقال وما يُعاش فعليًا،

ويطرح أسئلة جريئة حول معنى المواطنة وحدودها،

وحول قدرة الفلسطيني على الحفاظ على لغته وانتمائه وذاكرته في بيئة لا تمنحه مساحة واسعة للتعبير عن ذاته.

وقيمة هذا الكتاب أنه يقدّم قراءة واقعية دون أن يتخلّى عن عمقه الإنساني،

ويمنح المسألة بُعدًا ملموسًا، لا مجرد تحليل سياسي جاف.

✦ ثانيًا: العرب الدروز 48… حجر الرحى بين الذات والآخر

في “حجارة الرحى”، يفتح نفاع ملفًا إنسانيًا دقيقًا: الهوية الدرزية في الداخل.

لا يعالجها بوصفها معطى سياسيًا فحسب، بل باعتبارها تجربة معيشة لجماعة عاشت طويلًا بين ضغط المؤسسة الرسمية من جهة،

وضغط الانتماء التاريخي والثقافي من جهة أخرى.

يمتاز الكتاب بقربه من موضوعه عبر هدوء معرفي،

ويمنح الدروز موقعهم الطبيعي كجزء من النسيج العربي، دون تهويمات أو أحكام مسبقة،

مع الاعتراف في الوقت نفسه بالتعقيدات التي عاشوها ويعيشونها.

هذا العمل لا يكتفي باستعراض تاريخي،

بل يفكّك الطبقات التي تراكمت حول هوية جماعة عربية أصيلة،

طبقات أسهمت السياسة في تكثيفها، بينما تكشف الكتابة عن وجه آخر أكثر إنسانية وصدقًا.

✦ ثالثًا: مشروع فكري واحد بروحين مختلفتين

على الرغم من اختلاف موضوع الكتابين، فإنهما ينتميان إلى مشروع فكريّ واحد:

قراءة الهوية داخل الخط الأخضر قراءة هادئة، عميقة، وبعيدة عن الخطاب الشعبوي.

يضع نفاع أمام القارئ نموذجًا للكتابة المسؤولة؛

كتابة تحترم العقل، وتستند إلى المعطيات الدقيقة،

وتعيد تشكيل الصورة بعيدًا عن الروايات الجاهزة والانفعالات العابرة.

✦ خاتمة: حين تتحوّل الكتابة إلى مرآة

تتيح أعمال سعيد نفاع للقارئ فرصة نادرة لرؤية المجتمع الفلسطيني في الداخل كما هو،

لا كما يُراد له أن يكون؛

بجماله، وتناقضه، وألمه، وصلابته.

فالكتابان ليسا مجرد مساهمة في النقاش الفلسطيني الداخلي،

بل هما أيضًا إضافة حقيقية للأدب العربي المعاصر،

وللنقاش العالمي حول معنى الهوية والانتماء في زمنٍ تتغيّر فيه الخرائط والقيم.

بهذين العملين، يذكّرنا نفاع بأن الحقيقة ليست صاخبة، بل واضحة،

وأن الكتابة النزيهة قادرة على فتح نوافذ ظلّت مُغلقة،

وإعادة الصوت إلى الهوية…

إلى الإنسان قبل كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة