ابداعات بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 13/11/25 | 23:10
“حين تستعيد الروح لغتها: ميلاد الإنسان من عمق كسوره”**
لا يولد الإنسان دفعة واحدة كما يتخيّل؛ الحياة لا تمنحنا ميلادًا واحدًا، بل سلسلة ولادات لا تُرى.
أحيانًا يولد الإنسان من صمته، وأحيانًا من خوفه، وأحيانًا—وهذا أهمها—يولد من كسوره.
فالانكسار الذي نظنه نهاية، ليس إلا اللحظة التي تبدأ فيها الروح استعادة لغتها الأولى… اللغة التي نسمعها فقط حين يهدأ كل شيء حولنا.
في تلك اللحظة الفاصلة، نقف أمام أنفسنا دون أي تزيين.
نسقط من ارتفاعات كثيرة: من صورة المثالي، من قناع القوة، من فكرة أننا قادرون على احتمال كل شيء.
لكن السقوط ليس هزيمة، بل تحرير.
لأن الإنسان لا يرى طريقه الحقيقي إلا حين تتوقف عجلة الركض التي عاش عمره يدفعها دون أن يسأل إلى أين تذهب.
لقد خُدّرت أرواحنا طويلًا بفكرة أن الصمود هو النجاة.
لكن النجاة الحقيقية ليست في التصلّب، بل في أن نسمح للذات أن تعترف:
“أنا أتألم.”
هذه الجملة البسيطة هي أكثر أشكال الشجاعة صدقًا، لأنها تفتح الباب نحو معرفةٍ لا تُكتسب من الكتب ولا من النصائح، بل من مواجهة الذات في لحظات ضعفها.
في داخلي، كما في داخل كل إنسان، غرفة مظلمة لا يدخلها أحد.
غرفة تتكدس فيها الخيبات الصغيرة، المخاوف المكبوتة، والرغبات المؤجلة.
وحين يشتد الصمت من حولنا، تبدأ تلك الغرفة بالكلام.
وحين نملك الجرأة لنصغي، نفهم أن ما يؤلمنا ليس العالم، بل الأجزاء التي أهملناها فينا.
نفهم أن الوحدة ليست عقابًا، بل مختبرًا داخليًا نعيد فيه ترتيب الوعي.
وأن الخوف ليس عدوًا، بل خريطة تشير إلى ما يجب النظر إليه بدلاً من تجنّبه.
لقد تعلّمت أن الحبّ الحقيقي لا يبدأ بين شخصين، بل يبدأ من هذه المصالحة العميقة مع الذات.
حين نتوقف عن طلب التعويض من الآخر، نمنحه فرصة أن يكون حرًا، ونكون نحن أحرارًا.
نتعلم أن العلاقة التي تبنى على ضعفٍ صادق تدوم، وتلك التي تُبنى على التمثيل تتصدّع مع أول اختبار.
ومع كل هذا الفهم الجديد، نصل إلى حكمة بسيطة لكنها عظيمة:
الجرح لا يطلب علاجًا، بل يطلب معنى.
وحين نفهم معنى الجرح، يتحول إلى قوة خفية؛ قوة تجعلنا أكثر رقة وأكثر صلابة في آن واحد.
لأن الرقة ليست ضعفًا كما توهّموا، بل شكلٌ آخر من أشكال البقاء.
وحين ننظر إلى الماضي، ندرك أن شيئًا لم يذهب عبثًا.
كل ألم كان عتبة،
وكل سقوط كان تنظيفًا للطريق،
وكل خيبة كانت درسًا مؤجلًا في الحكمة.
عندها فقط نعرف أن الإنسان لا يكتمل إلا حين يمرّ عبر نقطة انكساره الأولى… تلك النقطة التي تُعرّفنا علينا.
وفي النهاية، ندرك الحقيقة الكبرى التي يتأخر الكثيرون في فهمها:
أن أجمل أشكال الشفاء ليست تلك التي تعيدنا كما كنّا،
بل تلك التي تعيدنا كما يجب أن نكون.
———–
رأيتُ جزءًا من نصوصي مسروقًا فابتسمت.
لم أغضب.
لأن ما يهمّني حقًا ليس اسمي متربّعًا فوق الجملة، بل أن تصل الفكرة إلى حيث قُدِّر لها أن تصل، حتى لو حملتها يدٌ ليست يدي.
أدركتُ أن الكلمات التي تُسرق تشبه الطيور التي تُفلت من القفص:
لا يهمّ من فتح الباب، المهم أنها عرفت طريقها إلى السماء.
فالملكية الحقيقية ليست للحروف بل للرحلة الداخلية التي أنجبتها.
من يسرق نصّي يسرق شكله، لكنه يعجز عن سرقة عمقه؛ يأخذ الضوء ولا يأخذ الشمس.
ثمة أسرار لا تُنقل مع النص، أسرار محفورة في الأوجاع التي مرّت، في الخيبات التي نمَت فوق القلب، في محاولاتي المتكررة لفهم حكمة الألم، ومعنى أن يُعاد تشكيل المرء ألف مرة ليكتشف شكله الأخير.
هذه التجارب لا تُسرق.
هذه ملكي وحدي، ووسامٌ لا يُنتزع.
ولذلك ابتسمت.
ابتسمتُ لأن من يسرق نصًا يبحث، دون أن يدري، عن لغة تنقذه. يبحث عن لسانٍ يتكلم عنه حين يعجز عن الكلام.
ابتسمتُ لأن نصوصي — حتى حين تُنتزع — تظلّ تحمل شيئًا من دفئي وأنا أكتبها، ومن دموعي التي سقطت فوق حروفها، ومن يقيني بأن الفكرة الأجمل لا تُكتب لتُحفظ، بل لتتحرر، لتتحوّل، لتصل.
لقد تعلمتُ أن الفكرة التي تستحق الحياة لا تخاف من الفقد، لأنها تعرف كيف تعود، وكيف تتجسد في ألف شكل، وكيف تحفر مكانها في ذاكرة العالم.
وأنا، حين أكتب، لا أكتب لأحرس نصوصي… بل لأحرّرها.
وهكذا صار النص عندي بذرة كونية:
قد تسقط في أرض بعيدة، قد تحملها رياح لا أعرفها، قد تنسب إلى غيري،
لكنها — إن كانت صادقة — ستنبت يومًا في قلبٍ ما،
وتُثمر وعيًا أكبر من اسمي، وأعمق من غضبي،
وعيًا يليق بالعابرين فوق جراحهم، بالباحثين عن حقيقتهم،
وعيًا يليق باسم رانية مرجية…
التي تؤمن أن الفكر حين يولد من الألم،
يصبح ملكًا للعالم

