الإيزيديون… حين تُضيء الكلمة طريق الإنسان
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 11/11/25 | 23:45
في عالمٍ يتكاثر فيه الضجيج وتبهت فيه الأصوات،
يبقى هناك من يهمس للنور في داخله حتى يسمعه الله.
هؤلاء هم الإيزيديون —
شعبٌ علّم العالم أن الصمت يمكن أن يكون صلاة،
وأن النور ليس مجازًا دينيًّا بل جوهر الوجود نفسه.
الديانة التي خرجت من رحم الضوء
الإيزيدية ليست ديانة تُقرأ في الكتب،
بل تجربة وعيٍ إنسانيٍّ خالص تعود إلى ما قبل التاريخ المكتوب،
حين كان الإنسان أقرب إلى السماء،
وحين كانت الأرواح تتحدث بلغة النور لا بلغة الطوائف.
في فلسفتهم، الخلق لم يبدأ من الطين بل من الضوء،
ومن هذا الضوء تفرّعت الأرواح، كلٌّ يحمل قبسًا منه.
ولذلك، فالإيزيدي لا يبحث عن الله في مكانٍ ما،
بل يدرك أن الله يسكن فيه،
في حركة قلبه، وفي عدله، وفي حبّه لغيره.
هم لا يرون النور كرمز، بل كحقيقة،
كطاقةٍ أصيلةٍ تحفظ الكون من الفناء،
وتعيد التوازن بين الإنسان والوجود كلّما اختلّت كفّتا الميزان.
لالش… المعبد الذي يصعد إلى الله من داخل الإنسان
في عمق جبال العراق،
حيث تتنفس الأرض بهدوء، وتغسل الوديان أسرارها بالريح،
يقف معبد لالش، كأنه قلب الأرض المفتوح نحو السماء.
لالش ليست فقط حجارةً مقدّسة،
بل ذاكرة الخلق الأولى، ومكانٌ تلتقي فيه الأرواح لتتذكّر أصلها.
يقول الإيزيديون: من يدخل لالش يعود إلى فطرته الأولى.
وهناك، لا يُرفع الصوت، لأن الصمت وحده يليق بالمقدّس.
في صمت لالش، تُستعاد إنسانيتنا الضائعة،
وفي نوره يتجلّى الله لا كإلهٍ خارجي، بل كحضورٍ في كلّ كائنٍ حيّ.
الإنسان في الفلسفة الإيزيدية… مرآة النور ومختبره
في كلّ ديانةٍ يطلب الإنسان الله،
لكن في الإيزيدية، الله يطلب الإنسان أن يعرف نفسه.
فالمعرفة ليست تراكماً للعقائد، بل عودة إلى النقاء الأول.
الإيزيدية لا تضع الشرّ في مواجهة الخير،
بل ترى فيهما قوتين ضروريتين لتوازن العالم.
الشرّ عندهم ليس عدوًّا للخير، بل غيابه،
كما أن الظلّ لا يُلغي الضوء بل يُظهره.
ومن هذه الفلسفة يولد الإيمان الذي لا يخاف،
إيمانٌ متسامٍ على الثنائيات،
يجعل الإنسان مسؤولًا عن نوره، لا عن ظلال الآخرين.
الصديقات… حين تجمع الكلمة بين القارات
لم أجلس مع الإيزيديين،
لكنّ الكلمة جعلت بيني وبينهم مجالًا مشتركًا من النور.
ومن بين هذا النور، جاءت صديقاتي من العراق وسوريا وألمانيا —
نساءٌ من أرضٍ وُلدت من الألم، لكن قلوبهنَّ وُلدت من ضوء.
لم نلتقِ إلا عبر الكلمة،
لكنها كانت كافية لتفتح بيننا نافذة على الإنسان.
تحدثنا عن الأمل لا كترف، بل كضرورة،
وعن الإيمان لا كقيد، بل كحرية.
كأنّ الكلمة نفسها كانت معبدنا،
نصلّي فيه كلٌّ بلغته، لكن بأرواحٍ تعرف اللغة نفسها: الإنسانية.
لقد تعلّمت منهنّ أن المسافة لا تفصل الأرواح،
وأن الصداقة حين تُبنى على الصدق،
تصبح جسرًا من النور بين القارات.
حكمة البقاء… كيف صمد النور أمام التاريخ
مرّ التاريخ على الإيزيديين كريحٍ عاتية،
لكنهم لم ينحنوا، لأنهم زرعوا جذورهم في الضوء.
واجهوا الإبادات والتهجير والنسيان،
لكنهم لم يفقدوا سلامهم الداخلي،
ولم يردّوا القسوة بالقسوة،
بل بالإيمان بأن النور لا يُهزم.
لقد علّمونا أن البقاء ليس انتصارًا في الحرب،
بل قدرة على الحفاظ على النقاء وسط الرماد.
أن تكون إيزيديًّا يعني أن تمارس الإيمان كفعل مقاومةٍ للجحود،
وأن تحيا كما تحيا الشمعة — تحترق، لكنها تضيء العالم.
الإيزيدية… الدين الذي يذكّر الإنسان بنفسه
ما يجعل الإيزيدية ديانةً عالمية لا تُحاصرها الجغرافيا،
هو أنها تقدّم الإنسان بوصفه مركز الكون لا نقيضه.
في فكرهم، الله لا يحتاج أن نعبده بقدر ما نحتاج أن نُحسن إلى خلقه.
فكلّ ظلمٍ يُرتكب ضد إنسان هو طعنة في قلب النور،
وكلّ رحمةٍ تُمنح هي صلاةٌ صامتة ترتفع من الأرض إلى السماء.
إنها ديانة تحوّل الفلسفة إلى سلوك،
وتحوّل الإيمان إلى حياةٍ تُعاش لا إلى شعارٍ يُقال.
وهي بهذا المعنى، ليست دينًا للماضي،
بل وعدًا للمستقبل… بأن الإنسان يمكن أن يكون ضوءًا لا سلاحًا.
خاتمة… حين يُولد المعنى من الكلمة
كلّما كتبت عن الإيزيديين،
شعرت أنني أكتب عن الجانب المضيء في الإنسان،
عن الجزء الذي لم يمت رغم الضجيج والعنف والنسيان.
إنهم الدليل أن الله لا يزال معنا،
في الصبر، في الكلمة، في الصداقة،
وفي تلك اللحظة التي نختار فيها أن نكون طيبين رغم كل شيء.
وصديقاتي اللواتي جمعني بهنّ النور عبر الكلمة،
من العراق وسوريا وألمانيا،
يُذكّرنني أن العالم، رغم المسافات، يمكن أن يكون مكانًا واحدًا إذا تكلّم القلب.

