ابداعات بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 07/11/25 | 13:33

حين نقرأ ما لم يُكتب: بيان في اللغة والوعي والإنسان

في لحظةٍ خاطفة، تقع أعيننا على كلمةٍ ما — في كتابٍ، أو في شاشةٍ، أو حتى في لافتةٍ عابرة — فنقرأها كما لم تُكتب.
نظنّ أننا أخطأنا، لكن الحقيقة أعمق من ذلك: العين رأت، والعقل أعاد تشكيل ما رأته وفق ذاكرته الخاصة.
في تلك اللحظة الصغيرة يحدث شيءٌ عظيم: انزلاقٌ في المعنى، انحرافٌ في الإدراك، وولادة نصّ جديد داخلنا، لا يشبه النصّ الأصلي إلا كما يشبه الحلم الحقيقة.

القراءة كفعلٍ وجوديّ لا معرفيّ

أن نقرأ ما لم يُكتب ليس خطأً لغويًا؛ بل فعل وجوديّ يعبّر عن كيفية اشتغال وعينا.
العين ترى الحروف، لكنّ الروح تُعيد ترتيبها وفق ما يعتمل فيها من خوفٍ أو حنينٍ أو جرحٍ قديم.
كل قراءةٍ هي مرآةٌ للنفس أكثر مما هي تفسيرٌ للنص.

حين نقرأ “سلام” ونراها “ألم”، فذلك لأنّ السلام في داخلنا لم يبرأ بعد.
وحين نقرأ “نورًا” ونراها “نارًا”، فذلك لأنّ العقل الذي ذاق الاحتراق يرى الضوء تهديدًا لا خلاصًا.

اللغة لا تكذب، لكنها تكشف ما نُخفيه عنها.
في “الخطأ” الصغير تكمن الحقيقة الكبرى: أننا لا نقرأ العالم كما هو، بل كما نحنُ في تلك اللحظة.

اللغة ككائنٍ حيّ يعكسنا

اللغة ليست وعاءً محايدًا، بل كائن حيّ يتحرك داخلنا ويخدعنا ليعرّينا.
كل كلمة نقرأها تمرّ عبر خلايا الذاكرة، وتختلط برائحة الأماكن القديمة، وبأصوات من أحببنا ومن خسرنا.
وحين نعيد تشكيلها، نمنحها روحنا.

الكاتب يزرع بذرة النص،
لكن القارئ هو من يمنحها جسدًا جديدًا كلّما لمسها بعينيه.
وهكذا يصبح النصّ كائنًا ثالثًا، يعيش بين الاثنين:
لا يخصّ الكاتب تمامًا، ولا ينتمي للقارئ وحده، بل ينتمي للتجربة الإنسانية المشتركة بينهما.

الخطأ بوصفه شكلًا من أشكال الحرية

في زمنٍ يُقاس فيه الصواب بالدقّة، يبدو الخطأ في القراءة كخللٍ يجب إصلاحه.
لكنني أراه شكلًا من أشكال الحرية الفكرية.
لأنّ كلّ انحرافٍ في الفهم هو احتمال جديد للحقيقة،
وكلّ “سوء قراءة” هو تمرين على الشكّ،
والشكّ هو أول خطوة نحو الوعي.

من رحم الأخطاء وُلد الشعر، ومن انزلاق المعاني وُلدت الفلسفة.
فاللغة التي تُطاع بلا التباس تُميت الخيال،
أما اللغة التي تُخطئ فتخلق الحياة من جديد.

بين الكاتب والقارئ: الحقل الكهربائي للمعنى

ما يحدث بين الكاتب والقارئ ليس تبادلًا للمعلومات،
بل تفاعلٌ طاقيّ يشبه ما يحدث بين جسدين ينجذبان في العتمة دون أن يريا بعضهما.
النصّ ليس وسيلة تواصل، بل حقل كهرباء روحي،
والمعنى فيه لا يُسلَّم بل يُولَد من الصدمة.

وحين تُولد المعاني بهذه الطريقة، لا أحد يملكها.
لا الكاتب، ولا القارئ،
بل تبقى حرةً في فضاءٍ إنسانيّ مفتوح، تتغير كلّما اقترب منها وعيٌ جديد.

القراءة كتجربة كونية

أن تقرأ ما لم يُكتب هو أن تُمارس أرقى أشكال التأمل:
أن تعبر من اللغة إلى ما وراءها،
أن تلمس الجوهر الذي يربط الفكر بالخيال، والظاهر بالباطن.
هي لحظة اختراقٍ بين الوعي والعالم،
تُعيد ترتيب علاقتنا بالحقيقة، وتجعلنا نُدرك أن الخطأ ليس ضدّ الفهم، بل طريقٌ إليه.

حين نخطئ في القراءة، نحن نمنح النصّ حياة أخرى،
ونُعيد للمعنى قدرته على التحوّل،
ونقول للكون إننا ما زلنا نحلم، ونشكّ، ونجرؤ على الرؤية.

ختامًا: الإنسان ككلمةٍ تُعاد قراءتها

ربما الإنسان نفسه نصّ لا يُقرأ مرة واحدة.
كل تجربةٍ تعيد صياغته، وكلّ حبٍّ أو خيبةٍ تغيّر معناه.
نحن لا نحيا، بل نُعاد قراءتنا باستمرار من قِبل الحياة ذاتها.

فحين نقرأ ما لم يُكتب،
نحن لا نخطئ، بل نكتشف أعماقًا جديدة في ذواتنا،
ونمارس فعل الخلق الأجمل:
أن نحول الوهم إلى بصيرة،
والالتباس إلى وعي،
والكلمة إلى مرآةٍ تعكس إنسانًا لا يزال يبحث عن نفسه وسط الحروف.

لأنّ اللغة، مثل الوعي، لا تُقال مرة واحدة.
وكل خطأٍ في القراءة، هو اعترافٌ بأننا ما زلنا أحياء.
————————-

حين تعلّم النور أن يتكلم

في الرابعة والعشرين من عمره، لم يكن “آدم” يعرف أنه مريض.

كان يظن أنه مثل الجميع — فقط أكثر حاجة إلى اللمس، أكثر خوفًا من الوحدة.

لكنّ العالم لم يره كإنسان.

رآه وحشًا.

حين قبضوا عليه بعد أن تحرّش بطفل، لم يفهم ماذا يعني أن تكون مجرمًا، لأن أحدًا لم يعلّمه يومًا ماذا يعني أن تكون بريئًا.

وُلد آدم في بيتٍ بلا أبوابٍ تُغلق على الطفولة.

أبٌ يقامر حتى الفجر، يبيع ضميره كما يبيع أثاث البيت، يصرخ في وجه الأم كمن يفرغ داخله السمّ.

أمٌّ صامتة كجدارٍ خائف، تمسح الدموع من على وجهها لتغسل بها وجه أطفالها.

وأخواتٌ فقدن الطريق إلى الطفولة حين صار الجسد وسيلة للبقاء.

بيتٌ مليء بالضوء الكهربائي، لكنه بلا نور.

هناك، تعلم آدم أن الجسد يُستَخدم، أن القرب يُشترى، أن الحبَّ وجعٌ يُدارى باللعب.

حين كان في السابعة، رأى أباه يضرب أمه حتى سقطت.

في تلك اللحظة، انكسر شيء في داخله — ذلك الخيط الدقيق الذي يفصل بين الحنان والأذى.

ولمّا كبر، صار يكرر ما تعلّمه دون أن يدرك أنه يُعيد إنتاج الجرح ذاته.

في المحكمة، كان صوته أشبه بصوت طفلٍ يسأل:

“هل يمكن أن أعود صغيرًا؟”

لكن القضاة لا يسمعون هذا النوع من الأسئلة.

القانون لا يفهم البراءة المكسورة، فقط الجرم.

هكذا حُكم عليه بالسجن، وأُغلق الباب خلفه كما أُغلقت كل الأبواب قبله.

في الزنزانة، كان يجلس طويلاً أمام الجدار.

أحيانًا يضحك وحده، وأحيانًا يبكي حين يسمع صرخةً من بعيد.

كان يحلم ببيتٍ له جدران بيضاء، فيها نافذة واحدة تطل على الشجر.

لم يكن يريد الحرية — كان يريد فرصةً للفهم.

ثم جاءت سلمى.

امرأة لا تشبه أحدًا من عالمه.

عالمة نفس جاءت من منظمة دولية تعالج من يسمّيهم العالم “المنحرفين”.

لكنها لم ترَ منحرفًا أمامها، بل إنسانًا انكسر قبل أن يُخلق وُعيه.

قالت له في الجلسة الأولى:

“آدم، لم تخلق شريرًا. وُضعت فقط في مكانٍ علّمك الخطأ قبل أن تعرف الصواب.”

ومنذ ذلك اليوم، بدأت معركة النور مع الظل.

لم يكن العلاج سهلاً.

في كل جلسة كان يتصارع مع ذاكرته، يصرخ كطفلٍ يرى للمرة الأولى الجرح الذي في داخله.

كانت تقول له:

“التوبة ليست اعترافًا أمام الناس، بل مصالحة مع نفسك.”

بدأ يرسم.

في البداية كانت لوحاته رمادية كالسجن، بلا وجوه ولا شمس.

ثم بدأ يرسم أطفالًا يضحكون، ثم وجوهًا تشبه أمه.

وفي يومٍ، رسم نافذة في وسط الظلام.

سألته سلمى:

“ما هذا الضوء؟”

فقال:

“أنا… حين لم أعد أخاف من نفسي.”

خرج آدم بعد خمس سنوات.

لم تفتح له الحياة ذراعيها، لكنه لم يعد يبحث عنها.

عمل في مركزٍ صغير للأطفال ذوي الإعاقة، يُعلّمهم الرسم والألوان.

كان يعرف كيف يكلّمهم لأنّه كان يومًا في مكانهم — غريبًا عن العالم، يبحث عن كلمةٍ تُطمئنه.

في أول معرضٍ له، اجتمع الفنانون والصحفيون والناشطون.

كانت لوحته الأخيرة تُظهر طفلًا يقف في عتمةٍ كثيفة، يفتح بيديه نافذةً يدخل منها النور، وخلفه ظلّ لرجلٍ يجلس حزينًا.

سألته سلمى — وقد أتت من بعيد لتراه:

“من هذا الرجل؟”

قال:

“هو أنا، حين غفرت لأبي.”

صرخة للضمير الإنساني

آدم ليس شخصًا واحدًا، بل مجتمعٌ بأكمله وُلد في الظل.

كلّ بيتٍ صامتٍ على العنف يخلق “آدمًا” جديدًا، وكلّ طفلٍ لم يُحتَضن يُنذر بعالمٍ بلا رحمة.

المجتمعات التي لا تعالج، تُنتج الجريمة ثم تدينها.

المدارس التي لا تُعلّم الحب، تزرع الخوف.

وحين يُعاقَب من لم يُفهَم، يموت فينا ما تبقّى من إنسانيتنا.

في عالمٍ يقدّس القانون وينسى الرحمة، يجب أن نعيد تعريف العدالة.

العدالة ليست فقط عقاب الفعل، بل فهم جذره.

والرحمة ليست عطفًا، بل معرفة — معرفة أن كل ظلامٍ يحتاج إلى من يعلمه كيف يتكلم نورًا.

فليكن اسم “آدم” شاهدًا علينا جميعًا:

على بيوتنا التي تخنق الطفولة، ومدارسنا التي لا تُعلّم الحنان، وأنظمتنا التي تخاف من الاعتراف بأن المجرم أحيانًا… ضحية.
——————————

حين تختار الروحُ أن تنحاز للفقراء

أنا يا صديقي لا أقيس الغنى بما يُودَع في البنوك، ولا أرى الفقر في الجيوب الخاوية.

الغنى عندي أن تملك قلبًا لم يتيبّس، والفقر الحقيقي أن تفقد القدرة على الحلم، على التعاطف، على أن تدمع حين ترى إنسانًا مكسورًا في الشارع ولا تستطيع أن تمرّ كما لو لم تره.

لهذا، تركتُ الأمور المادية لكم، أنتم الذين تقيسون الوجود بالأرقام، وتقيسون القيمة بما يُشترى ويُباع.

أما أنا، فقد اخترتُ أن أعيش في المساحات التي لا تُقاس، في الميادين التي يلتقي فيها الناس بلا وسائط ولا ألقاب، في العمل الجماهيري الذي لا يسأل عن الأصل والفصل، بل عن الإنسان.

الروح لا تتغذّى بالمال بل بالمعنى

في كلّ زمنٍ يتصارع فيه الناس على المظاهر، تذبل الروح التي تبحث عن الجوهر.

ولأنني مؤمنة أن الإنسان لا يُختبر بما يملك، بل بما يعطي، اخترت أن أنحاز لأولئك الذين لا يملكون شيئًا سوى قلوبهم.

إنهم البسطاء الذين يُشبهون التراب في تواضعهم، والماء في نقائهم، والنور في حضورهم الهادئ.

العمل الجماهيري بالنسبة لي ليس نشاطًا اجتماعيًا، بل طقسٌ روحيّ.

إنه صلاةٌ في الميدان، وامتدادٌ للضمير الإنساني في وجه عالمٍ يُريد أن يُقنعنا أن القيمة تُشترى.

هناك، وسط الناس، أستعيد معنى الوجود، أستعيد نفسي.

فحين أمدّ يدي لطفلٍ يبتسم رغم الجوع، أو لامرأةٍ تناضل لتبقى واقفة، أشعر أنني أقترب أكثر من الله، لا عبر الطقوس، بل عبر الفعل الإنسانيّ ذاته.

السياسة تصنع الجدران، والعمل الجماهيري يصنع الجسور

السياسة في جوهرها لعبة مصالح، أما الجماهير فهم الحقيقة.

السياسيّ قد يتحدّث باسم الناس، لكنه قلّما يلمس وجعهم.

أما من يكون في الميدان، في الأزقة، في العيون التي تخاف الغدّ وتحبّ الحياة رغم كل شيء — فهو من يعيش الحقيقة دون وسائط.

أنا منحازة للفقراء لا لأنهم ضحايا، بل لأنهم أكثر صدقًا.

الفقر لا يُزيّف الوجوه، لا يمنح أحدًا رفاهية الكذب.

في عيونهم أقرأ الحكمة التي لا تُدرّس في الجامعات، وأسمع الموسيقى التي لا تُسجَّل في استوديوهات، موسيقى الحياة كما هي: خامة، حقيقية، مؤلمة وجميلة في آنٍ واحد.

الخاتمة: حين تُصبح الإنسانية مذهبًا

ما أكتبه ليس خطابًا أخلاقيًا، بل شهادة روحٍ اختارت ألا تساوم.

قد لا أملك مالًا أو منصبًا، لكنني أملك وضوح الرؤية، وأملك تلك الشعلة التي لا تُشترى: الإيمان بالإنسان.

في عالمٍ يُغري الجميع بالصعود على أكتاف الآخرين، اخترتُ أن أمشي معهم، لا فوقهم.

أن أكون صوتًا لا يعلو على صوت الوجع، ويدًا تمتدّ لا لتأخذ، بل لتضمّ.

فلتتركوني بين الناس، في الشوارع والحقول والمخيمات، حيث الحزن شريف، والبسمة صعبة لكنها صادقة.

هناك فقط أشعر أنني حيّة، وأن الروح لا تموت ما دامت قادرة على الحبّ والعطاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة