الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية: بين الطموح والتحدّي
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 29/10/25 | 15:05
افتتح العام الأكاديمي الجديد في الجامعات الإسرائيلية وسط مشهدٍ متغير ومعقّد، حيث عاد آلاف الطلاب العرب إلى مقاعد الدراسة بعد عامين من الحرب التي خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، وقيودًا غير معلنة على الفكر والتعبير. ومع ذلك، يحمل هؤلاء الشباب معهم أملاً جديدًا في أن يكون الحرم الجامعي مساحةً للتعلم والانفتاح، لا للرقابة والتمييز.
اللافت هذا العام أنّ نسبة الطالبات العربيات تجاوزت نسبة الطلاب الذكور 68.9% من مجموع الطلاب العرب 64% من طلاب اللقب الاول 68% من طلاب الدكتوراة. هذا الارتفاع يعكس وعيًا متزايدًا لدى الفتيات بأهمية التعليم كوسيلة للتمكين الفردي والجماعي، لكنه في المقابل يكشف عن تراجع مقلق في التحاق الشباب الذكور بالجامعات، وهو مؤشر يستحق الوقوف عنده مطولًا.
تتعدد الأسباب وراء هذا التراجع:
– الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تدفع كثيرين إلى سوق العمل المبكر.
– الأوضاع السياسية والأمنية التي خلقت حالة من الإحباط والاغتراب داخل المجتمع العربي في الداخل.
– ضعف التوجيه الأكاديمي في المدارس الثانوية وغياب الدعم المهني والنفسي الذي يساعد الطالب على اختيار مساره الجامعي بثقة.
إلى جانب هذه العوامل، يبرز في السنوات الأخيرة عامل جديد ومقلق، يتمثل في سعي بعض الشباب إلى الدورات القصيرة الأمد أملاً في الحصول على الربح السريع، أو الانخراط في مجالات عمل هامشية وغير مستقرة. الأسوأ أن بعضهم يقع في فخ دوائر الإجرام المنظّم من قتل وخاوة تهريب السلاح والمخدرات، وهي بيئات تَعِدُ بالمال السهل لكنها تسلب المستقبل وتُفرغ المجتمع من طاقاته. هذا التوجّه خطير لأنه يُضعف مكانة التعليم الجامعي ويُكرّس قيم الربح الفوري على حساب الوعي والمعرفة.
ورغم هذه التحديات، ما زال الطلاب العرب يشكلون قوة علمية صاعدة داخل الجامعات الإسرائيلية. لقد باتوا يحجزون لأنفسهم مواقع متقدمة في تخصصات الطب، والهندسة، والحقوق، والتربية، والإعلام، ويشاركون في الأبحاث والمشاريع العلمية، ويساهمون في بناء جسرٍ بين الهُوية والانتماء الأكاديمي.
وفي هذا السياق، تشير الدراسات
أما على الصعيد النفسي والاجتماعي، فقد أشارت الأبحاث أن
“الطالب العربي في الجامعات الإسرائيلية كثيرًا ما يشعر بفقدان هويته داخل القاعات الأكاديمية، بسبب هيمنة اللغة العبرية وضعف حضور لغته وثقافته في الفضاء الجامعي.” هذه الأبحاث تلقي الضوء على عمق الفجوة الثقافية التي يعيشها الطالب العربي بين هويته الأصلية ومتطلبات الاندماج الأكاديمي.
إنّ الجامعة ليست فقط مكانًا لاكتساب المعرفة، بل هي أيضًا فضاء للوعي والانتماء والمقاومة الفكرية الهادئة. ومن هنا، فإنّ وجود الطالب العربي في هذه البيئة هو بحد ذاته فعل صمود، ومشاركة في صياغة المستقبل رغم كل التحديات البنيوية والاجتماعية والسياسية.
ويبقى السؤال الكبير: هل ستلتقط المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية هذا الحضور العربي المتزايد بوصفه فرصة لبناء مجتمع متنوع ومتكامل، أم ستستمر في التعامل معه كـ”استثناء مراقب”؟ في كل الأحوال، يواصل الطلاب العرب السير بثباتٍ بين حقل الألغام والآفاق، حاملين كتابهم بيد، وأملهم بوطنٍ أعدل باليد الأخرى.

