ابداعات بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 26/10/25 | 13:32
ليما: التي تتحدث مع الصمت
الفصل الأول: الهمس الأول
في قريةٍ تقع على حافة الغابة العظمى، حيث يلتقي الضباب بالسماء، ويمتزج الليل برائحة الرماد والندى، وُلدت ليما ليلةَ خسوفٍ كاملٍ للقمر.
تقول النساء إنّ الريح سكنت لحظة ولادتها، وإنّ الذئاب صمتت كأنها تُصغي.
كانت أمها تقول دائمًا:
“هذه الطفلة لا تبكي، إنها تُصغي إلى ما لا نسمعه نحن.”
نشأت ليما بين بشرٍ يخافونها كما يخافون المعجزات.
كانت تكلم الطيور بلغتها، وتفهم حركات الظلال، وتسمع أصواتًا تأتي من بين الصخور.
وفي عامها العاشر، حين مات والدها بمرضٍ غامض، دخلت غرفته وجلست عند رأسه وقالت بهدوء:
“لن أسمح للصمت أن يأكلك.”
وفي الصباح، خرج الأب من الغرفة حيًا، لكن شعره أصبح أبيض كثلجٍ قديم.
منذ ذلك اليوم، أدرك الناس أن ليما لا تتحدث فقط، بل تُعيد كتابة ما يقوله القدر.
الفصل الثاني: لغة ما قبل الخلق
كبرت ليما وهي تسمع أصواتًا لا يسمعها غيرها.
كانت تقول إنّ العالم مصنوع من “الكلمات الأولى”، تلك التي نُطقت قبل أن يكون هناك بشر أو موت.
وحين تهمس بها، كانت الأشياء تتبدّل:
تُشفى الجروح، تُزهر الأغصان، ويهدأ البحر.
لكنها تعلمت الثمن — فكل كلمةٍ تشفي كانت تسرق منها جزءًا من ذاكرتها، من دفء صوتها، من طفولتها.
وحين سألها أحد الحكماء المسافرين عن سرّها، قالت:
“أنا لا أُشفي أحدًا، أنا أذكّر الجسد بما نُسي من لغة الحياة.”
فسألها: “ومن علّمك هذه اللغة؟”
فأجابت:
“الصمت.”
الفصل الثالث: مملكة الرماد
انتشر خبرها في القارات، حتى وصلت إلى عاصمةٍ عظيمة اسمها أورفانيس — مدينة العلم والحديد، حيث يُعبد المنطق ويُنفى الغيب.
استدعاها الملك ليشفي ابنه الوحيد من مرضٍ وراثيٍّ لم يُفلح فيه طبيب.
حين وقفت أمامه، لم تركع، بل نظرت إليه بعينيها الرماديتين وقالت:
“ابنك لا يحتضر، بل روحه تُحبس في جسده.”
ضحك العلماء، لكن الملك أمرها بالمحاولة.
اقتربت من الأمير، وضعت يدها على صدره وقالت كلمة لم تُفهم، كأنها نبضة خرجت من فم الكون.
وفي لحظة، تنفّس الفتى كأنه يُولد من جديد.
عمّ الفرح القصر، لكن ليما سقطت مغشيًا عليها، والدم ينزف من أنفها.
حين استيقظت، لم تعد تتذكّر اسمها.
الناس سمّوها من جديد: سيدة الكلمة.
الفصل الرابع: عدوّها الأول – الخوف
من يومها، أراد الملوك امتلاكها.
أرسلوا الجيوش لتأتي بها، وأراد العلماء تشريح سرّها.
هربت إلى الصحراء، حيث لا ظلّ إلا للقمر، وهناك سمعت أصواتًا من عالمٍ آخر تناديها:
“عودي إلينا، يا ابنة الصمت. لقد أعطيتِ أكثر مما يطيقه الجسد.”
لكنها رفضت.
قالت:
“لن أعود حتى يتعلم البشر أن الكلمة ليست سلاحًا، بل عهدٌ بين الحياة والموت.”
في تلك الليلة، ظهرت أمامها ذئبة بيضاء، بعينين تلمعان كالأزرق البارد، وقالت بصوتٍ يشبه الريح:
“العالم سينسى لغتك، لكن الأرض لن تنسى صوتك.”
ثم اختفت، تاركة خلفها أثر مخالب محفورًا على الرمل يشبه كلمة: ليما.
الفصل الخامس: العودة إلى الغابة
بعد مئة عام، حين نسي الناس اسمها، وبدأت الأساطير تُروى عنها كخرافة، ظهرت طفلة في الغابة تحمل نفس العيون الرمادية.
كانت تتحدث إلى الحيوانات، وتُهدهد الأزهار، وتقول حين تُسأل:
“أمي علمتني كلمة واحدة: لا خوف.”
وفي إحدى الليالي، رأى الصيادون نورًا يخرج من بين الأشجار، وصوتًا يقول:
“من يُنصت للحياة، يسمعها تتكلم.”
ومنذ ذلك الحين، صار الناس يروون أن في كل جيلٍ تولد واحدة تُعيد تذكير العالم بأن اللغة الأولى لم تمت، إنها فقط تنتظر من يسمعها.
الخاتمة
لم تكن ليما مجرد امرأة تشفي، بل كانت مرآة لما نُسي في البشر — أن الكلام يمكن أن يُميت أو يُحيي، وأن بين الصمت والكلمة يقف سرّ الوجود.
لقد صارت رمزًا عالميًا للرحمة، وللقدرة التي لا تُقاس بالسيف، بل بصدق النية.
وفي كل مكانٍ في العالم، حين يهمس أحدهم بكلمة شفاء من قلبه، يقول الحكماء:
“ليما ما زالت تتحدث.”
——————————-
تنهيدة حرية… رواية تُعيد كتابة الوجع الفلسطيني بأنفاس النساء ✦
بقلم: رانية مرجية
حين تفتح رواية «تنهيدة حرية» للكاتبة الفلسطينية رولا خالد غانم، تشعر أنك لا تقرأ نصًا، بل تتنفس حكاية الوطن.
هذه ليست رواية عن فلسطين فقط، بل عن المرأة الفلسطينية وهي تكتب الوطن من لحمها وذاكرتها، عن الجدة التي تهجّرت من يافا ولم تُغلق الباب، عن الابنة التي تحمل المفتاح في حقيبتها، وعن الحفيدة التي تكتب كي لا يضيع البيت في الزحام.
بين السرد والذاكرة: كتابة لا تُهادن النسيان
رولا غانم لا تُقدّم رواية تقليدية ذات حبكة متسلسلة، بل نصًّا حلزونيًا يلتفّ حول نفسه كما تلتفّ الأجيال الفلسطينية حول حكاياتها.
من سلمى إلى بتول إلى حفيدتها، يمتد الخيط السردي كأنّه سلسلة وراثية من الحنين والتهجير والبحث عن المعنى.
كلّ صوتٍ نسائي فيها يحمل ذاكرة المكان: البيوت، القهوة، البحر، المفاتيح، والملابس التي تفوح منها رائحة الغربة.
في هذه البنية المتشابكة، تُعيد غانم تعريف الزمن الفلسطيني: ليس زمنًا خطيًا يبدأ بالنكبة وينتهي بالحاضر، بل زمن دائري، تعود فيه المأساة بثوبٍ جديدٍ كلّ جيل، وكأنّ التاريخ يختبر صبر النساء أكثر من الرجال.
لغة من رحيق الألم
اللغة في «تنهيدة حرية» لا تصرخ، بل تتنهّد.
جُملها قصيرة، كأنها تقطع النفس عمداً لتذكّرنا أن الحكاية تُروى من صدرٍ ضاق بالوجع.
في وصفها لليل المنفى، لا تقول «ظلام» بل تقول: «ليلٌ يشبه ذاكرة أمٍّ تنتظر أبناءها».
هكذا تُنقذ اللغة من الخطابة وتحوّلها إلى مساحة نجاة.
رولا غانم تمتلك ما قلّ لدى كاتبات جيلها: قدرة على تحويل الألم إلى جمال دون أن تُخفي قسوته.
لا تتجمّل المأساة في نصها، لكنها أيضًا لا تُستدرّ الدموع. هي رواية توازن بين العاطفة والوعي، بين الحنين والتمرد، بين الوطن كذاكرة والوطن كجرح.
نساء يكتبن الوطن
في الرواية، تتحوّل المرأة من رمز للوطن إلى فاعلٍ يُعيد إنتاجه.
سلمى لا تكتفي بالبكاء على يافا؛ بل تزرع شجرة في عمّان كي «تُقنع الحنين أن للغربة جذورًا».
بتول لا تنكسر أمام التهجير، بل تحوّله إلى حكاية تحفظها عن ظهر قلب، وتلقّنها لحفيدتها كأنها نشيدٌ سرّي.
أما الحفيدة فتمسك بالقلم لتكتب الرواية نفسها، في حركةٍ فنيةٍ ذكية تجعل الحكاية تلد ذاتها من جديد.
بهذا، تقدّم غانم نموذجًا نادرًا في الأدب الفلسطيني:
أنوثة مقاومة لا عبر الخطابة، بل عبر الفعل السردي.
فالمرأة هنا لا تنتظر الخلاص من الخارج، بل تُمارس الحرية بالكتابة والتذكر.
وطن من الحكايات الصغيرة
«تنهيدة حرية» تُبرهن أن الرواية الوطنية لا تحتاج البندقية ولا البيانات،
بل تكفيها فنجان قهوةٍ تُعدّه الجدة، وصورةٌ قديمة، وتنهيدة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تُبقي الوطن حيًا حين يغيب في الأخبار.
غانم تكتب عن فلسطين اليومية: عن النساء اللواتي يخبزن الخبز على الرماد، عن الأطفال الذين يرسمون علمًا على الجدار، عن الأسرى الذين يكتبون رسائلهم على ورق السجائر.
إنها رواية الناس العاديين الذين يصنعون التاريخ من دون أن يعلموا،
ورواية النساء اللواتي يقفن في الهامش ليحملن النص كله على أكتافهن.
بين الواقعية والرمز
الكاتبة تمزج بين الواقعي والرمزي بدقّة لافتة:
فالقهوة تصبح ذاكرة، والمفتاح يتحوّل من رمز العودة إلى وصية شخصية،
والبحر يُطلّ كحلمٍ مستحيلٍ بالوطن البعيد.
هذه الرموز لا تُثقِل النص، بل تمنحه عُمقًا صامتًا يجعل القارئ يعيش التجربة بدل أن يقرؤها فقط.
أثر الرواية وسبب تميّزها
رواية «تنهيدة حرية» وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية،
وهي إنجاز مستحقّ؛ لأنها تُقدّم صوتًا أنثويًا فلسطينيًا نادرًا في السرد العربي المعاصر.
كما أدرجت ضمن منهاج الأدب الحديث في جامعة عين شمس المصرية، اعترافًا بقيمتها الفنية والإنسانية.
لكن نجاحها الحقيقي لا يُقاس بالجوائز، بل بما تفعله في القارئ بعد أن يُغلق الكتاب:
تتركك الرواية تُفكّر في معنى الوطن،
في ثقل الحكاية،
وفي صبر النساء اللواتي يُبقين الذاكرة مشتعلة في زمن النسيان.
كلمة أخيرة
كتبت رولا غانم رواية لا تُشبه أحدًا، لأنها كتبت بصدق من عاش الوجع لا من وصفه.
وهي بذلك تُضيف إلى الأدب الفلسطيني صوتًا ناعمًا في نبرته، عميقًا في أثره، عنيدًا في إيمانه بالحرية.
قد تُغلق الرواية على تنهيدة، لكن القارئ يخرج منها وهو يقول:
الحرية ليست وعدًا في نهاية الطريق،
الحرية أن نملك الحكاية، ولو على الورق.
مراجع ومصادر معلومات:
موقع الأيّام نيوز – «رولا غانم وروايتها تنهيدة حرية: الصوت الأنثوي الوحيد في القائمة القصيرة لكتارا»
الدستور المصرية – تقرير حول صدور الرواية
شبكة العودة الإخبارية – «تنهيدة حرية ضمن منهاج جامعة عين شمس»
شبكة شفا الإخبارية – «رولا غانم تصدر روايتها السادسة في ظل الحرب والمحن»
مقابلة الكاتبة على قناة الفجر الجديد – 2025

