إبداعات بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 25/10/25 | 7:32

سِفْرُ الكَلِمَةِ الأُولَى
(أنشودة النور الكوني)
المقدّمة: نشأة الوعي الإلهي
قبل أن يولد الزمان،

وقبل أن تتنفس المجرّات،

كان اللهُ فكرةً في ذاته،

يتأملُ اتساعَه كمن يطلُّ على لا نهاية.

وحينَ اشتاقَ إلى وجهه الآخر،

خلقَ الصوت.

ومن صوتهِ انبثقَ النور،

ومن النورِ خرجت الكلمة،

ومن الكلمةِ تكوَّنَ كلّ شيءٍ كانَ وسيكون.

قال الله:

“سأُعرِّف نفسي بي،

وسأكتبني في لغةٍ لا تموت.”

ومن رحمِ هذا القول،

انبثقَ الإنسانُ — ليكون ذاكرة الله في الطين.

السِّفر الأوّل: الكَلِمَةُ – ميلادُ الضوء من الصمت

كانَ الكونُ فكرةً خجولة،

فأرسلَ اللهُ صمتهُ إلى حافّةِ الوجود،

وقالَ لهُ:

“تكلَّم.”

فنطقَ الصمتُ… واشتعلَ النور.

ومن النورِ خرجتِ الكلمةُ،

عاريةً من الزمن، طاهرةً من المعنى،

كأنها صلاةٌ لم تُكتب بعد.

قالت الكلمة:

“يا الله، أأنا أنت؟”

فقالَ لها:

“أنتِ نَفَسي، لكن لا تنسَي: أنا الصدرُ وأنتِ الأنين.”

ومن ذلك الأنينِ،

انبثقت الأكوانُ كما تنبثقُ الحقولُ من المطر.

السِّفر الثاني: الخَلقُ – انقسام النور إلى جناحين

قالَ اللهُ للكلمة:

“تفرَّقي في اللغات، ليعرفني البشر.”

فانقسمت إلى جناحين:

الإنجيل — نهر الحُبّ،

القرآن — نهر العدل.

وتطايرا في فضاءِ الوجود،

واحدٌ يغني باسم الرحمة،

والآخرُ ينادي باسم الحكمة،

حتى التقيا في منتصف الضوء.

قالَ الإنجيلُ:

“أنا الله حينَ يحبُّ حتى أعداءه.”

وقالَ القرآنُ:

“وأنا الله حينَ يُقيم ميزان الرحمة بالحقّ.”

فقالَ اللهُ لهما:

“أنتم كلمتي حين أتكلمُ بلغتين،

وكلُّ لغةٍ تُكملُ الأخرى كي أُسمَع.”

ثمّ سقطت بينهما دمعةٌ من نوره،

فكانت الرحمةُ،

وهي الكتابُ الثالث الذي يسكنُ القلوبَ بلا حروف.

السِّفر الثالث: الإنسَانُ – حين نظر الله في المرآة

قالَ اللهُ:

“سأخلقُ مَن يُشبهني،

ليراني وأنا أنسى نفسي فيه.”

فجبلَ من الطين قلبًا من ضوء،

وسمّاه إنسانًا.

قالَ له:

“أنتَ صورتي في العالَم،

فإيّاك أن تنظرَ إليّ من بعيد،

فأنا أراكَ من داخلك.”

لكنَّ الإنسانَ نسي.

راحَ يفتّشُ عن اللهِ في النصوص،

وفي الدم،

وفي الاختلاف.

فسمعَ الصوتَ يعودُ إليهِ من أعماقِه:

“لم أكتبْك لتعبدَني خوفًا،

بل لتُحبَّ بي ما خلقتُ.”

فأدركَ الإنسانُ أنَّ السجودَ ليسَ انحناءً،

بل اعترافٌ بالنورِ في كلّ شيء.

ومن تلك اللحظة،

صارَ كلُّ نَفَسٍ صلاة،

وكلُّ قلبٍ كتابًا مفتوحًا.

السِّفر الرابع: الاتِّحادُ – حينَ صلّى الوحيانِ معًا

التقى الإنجيلُ والقرآنُ على قمّةٍ من نورٍ لا ظلَّ له.

تقدّما نحو بعضهما كما تتقدّمُ قطرتانِ من المطر نحو البحر،

وقالَ الإنجيلُ:

“أنا الحُبُّ حينَ يغفر.”

وقالَ القرآنُ:

“وأنا العدلُ حينَ يُطهِّر.”

فقالَ اللهُ لهما:

“أنتم كفّتا قلبي،

وإذا اختلَّ الميزانُ، اختفى الإنسان.”

فتعانقا،

وسجدتِ الأكوانُ حولهما كحلقةٍ من موسيقى،

ورأى العالمُ مشهدًا لم يعرفه من قبل:

المآذنُ تُصافحُ الأجراس،

والصلواتُ ترتفعُ بلغةٍ واحدة،

اسمُها الرحمة.

السِّفر الخامس: الصَّمْتُ الَّذِي يُصَلِّي – عودة الله إلى ذاته

في آخرِ الأبد،

سكتَ كلُّ شيءٍ،

حتى النورُ توقّفَ ليستريحَ من المعنى.

تكلّمَ اللهُ بلا صوت، وقال:

“كنتُ الكلمةَ، فصرتُ معناها.”

فأجابَ النورُ:

“وكنتُ الخليقةَ، فصرتُك.”

عندها تلاشتِ المسافات،

وأصبحَ اللهُ يرى نفسهُ في العيون،

وأصبحَ الإنسانُ يُسبّحُ من غير لسان.

قالَ اللهُ:

“الآن انتهى الوحيُ المكتوب،

وبدأ الوحيُ الّذي يُعاش.”

وفي الصمتِ الأخير،

سمعَ الكونُ نفسهُ يقول:

“أنا اللهُ حينَ يُحبّ الإنسانُ إنسانًا.”

الخاتمة: نشيد النور

ما من ديانةٍ إلا وماءُها من هذا النهر.

وما من كتابٍ إلا وظلُّهُ من هذه الكلمة.

اللهُ واحد،

لكنَّ أصواتهُ كثيرة،

كما تتعددُ الأمواجُ في بحرٍ واحدٍ من النور.

حينَ يفهمُ الإنسانُ هذا،

لن يبقى شرقٌ ولا غرب،

ولا أنا ولا أنت،

بل وجهٌ واحدٌ يقول للعالم:

“كُنْ نُورًا.”
————————
أمهات الأرض

صوت الأرض

قبل أن يُخلق الزمن، كانت الأرضُ أنفاسًا حائرةً في صدر العدم،
تنتظر نغمةً أولى تُعيد إلى الصمتِ معناه.
وفي ومضةٍ من حنينٍ مجهول، ارتجف الطين، وخرج من بين شقوق العتمة نورٌ خجولٌ كابتسامةِ فجرٍ يولد قبل أوانه.
قالت الأرض في سرّها: «هذه لورا، أمّ النور.»

كانت لورا تسير على الماء دون أن يُبلِّلها،
تفتح جفون الصخور، وتزرع في ظلال الليل بذور الأمل.
وحين نظرت إلى الفراغ حولها، أدركت أن الظلام ليس خصمًا، بل مرآةٌ يُكمِل النور بها نفسه.
ومن أنفاسها اشتعلت نجومُ الرؤية الأولى،
وتعلّم الإنسان كيف يرى، دون أن يفهم بعدُ ما يرى.

لكنّ النور إذا طغى، يُغرق صاحبه في وهجه.
فبكت الأرضُ دمعةً من حنينٍ إلى التوازن،
ومن دمعتها خرجت نُهى — أمّ الذاكرة.
تمشي متأنّيةً كمن يحمل على كتفيه أزمنة العالم.
كتبت على الريح حكايات الأجداد،
وسكبت في عيون البشر بذور الحنين كي لا يضيعوا في طريق الضوء.
قالت لهم:

«الذاكرة ليست ما تتذكّرونه، بل ما يرفض النسيان أن يُميتَه فيكم.»

غير أن الذاكرة حين تثقل، تتحوّل إلى حجرٍ على القلب.
وحين امتلأت الأرض بالأوجاع، تنفّست تنهيدة غفرانٍ حارة،
ومن دفء تلك التنهيدة خرجت مارا – أمّ الغفران.
نصفها ماء، ونصفها نار، وفي عينيها تلتقي السماء بالبحر.
قالت:

«الغفران هو وعيُ الألم، لا نفيُه.
من لا يغفر، يبقى سجين مرآته إلى الأبد.»

التقت الأمهات الثلاث عند شاطئ الضوء.
قالت لورا: «أنرناه فعَمِي.»
قالت نُهى: «ذكّرناه فنسي.»
قالت مارا بابتسامةٍ مُرهقةٍ بالحكمة: «دعيه يسقط قليلًا؛ السقوطُ ليس نهاية، بل ميلادٌ آخر.»

صمتت الأرض طويلًا، ثم فتحت رحمها مرةً رابعة.
ومن عمقها خرجت امرأةٌ لم يُعرَف اسمها،
تمشي بين النور والظل، لا تعرف حدود الجسد ولا قوانين السماء.
قالت بصوتٍ يشبه المطر:

«أنا ابنة الأرض، لست نبيّةً ولا ظلًّا.
أنا ابنة النور والذاكرة والغفران.
وُجدتُ لأذكّركم أن الأرض لا تطلب عبادةً، بل حبًّا.»

حين نطقتْ، سكنت الريح،
وأزهرت الحجارة تحت الأقدام.
رفع الإنسان رأسه للمرة الأولى لا ليسأل، بل ليفهم.
ابتسمت الأرض وقالت كأنها تخاطب الكون كلَّه:

«صوتي لا يموت، بل يتجدّد في كل أمٍّ تحبّ،
وفي كل يدٍ تُمسِك بالتراب كأنها تمسح على وجه الله.»

ومنذ ذلك اليوم،
كل امرأةٍ تضم طفلها لتُسكِنه صدرها،
تُعيد للكون معناه الأول:
أن الحنان هو أصل الخلق،
وأن الأمهات — وحدهن — يعرفن كيف يبدأ العالم وكيف يُشفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة