قراءة في قصيدة «لطلاب العلم»

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 18/10/25 | 18:32

من ديوان «همسات أو قصائد لا فرق» — إصدار مؤسسة أنصار الضاد، 2017.
أولاً: القصيدة كتحية مقدّسة لمسيرة النور
حين يكتب كاظم مواسي:
من هنا مرّوا وكان الدربُ حيّاً
طاب لقياهم إذا ضاء المحيّا

فهو لا يصف حدثًا عابرًا، بل يُقدّس مرور طلاب العلم كما يُقدَّس مرور الأنبياء أو الشهداء.
الدرب — في المعجم المواسيّ — ليس ترابًا ولا طريقًا فحسب، بل هو رمز المسيرة الحضارية.
وعندما يقول “كان الدرب حيًّا”، فهو يحيي الفضاء ذاته، يجعل المكان يستنير بمرور الإنسان الساعي نحو المعرفة.
هكذا تتحول القصيدة إلى طقس نورانيّ، حيث الوعي يخلق الحياة، والعلم يمنح الوجود معنى.

🌾 ثانيًا: الرفقة العلمية — أخوّة المعنى والهدف

أخوةٌ في الدرب ساروا نحو مجدٍ
بارك الله مسعاهم وحيّا

في هذه الأبيات، يرسم الشاعر لوحة للعلم كجماعة روحية.
“أخوة في الدرب” ليست أخوّة الدم، بل أخوّة العقل والنية والرسالة.
فطلاب العلم هنا كالمتصوفة في طريق المعرفة الإلهية، يشدّ بعضهم أزر بعض، يسيرون في وحدة النور.

و”المجد” الذي يقصدونه ليس شهرة دنيوية، بل مجد الروح، مجد الكلمة التي تفتح البصيرة.
إنها دعوة صريحة لأن يكون العلم طريقًا للتآخي، لا للمفاخرة، وأن يكون وسيلة للبناء لا للترف.

🌺 ثالثًا: الجدّ والنشاط — تقديس الفعل الإنساني

جِدّهم فيه إباءٌ ونشاطٌ
كيف يخبو من رنا نورَ الثريّا

يستحضر الشاعر هنا صورة فلكية مهيبة — “الثريّا” — ليشبّه ضياء العلم بها.
“من رنا نور الثريّا” أي من نظر إلى مجدها، من تشرّب بهاءها، فكيف يخبو بعد ذلك؟
فالنور الحقيقي لا يُطفأ، لأنه ينبع من الداخل.

في هذا البيت، يتحوّل العلم إلى طاقة كونية؛
كل طالب علم هو كوكب صغير يدور في مدار النور، والسماء هي غايته.
البيت يحمل تمازجًا بين الواقعي والرمزي، بين الجدّ البشري والعطاء الإلهي، كأن الشاعر يقول:
العمل الدؤوب في طلب العلم عبادة، والنشاط في سبيله نوع من الصلاة.

🌹 رابعًا: العين الساهرة والروح اليقظة

عينهم في الليل لا تغفو وتصحو
روحهم تبقى على كل الثنايا

هذا المقطع يلخّص جوهر التضحية والإصرار.
طلاب العلم لا ينامون على أحلامهم؛ يسهرون عليها، يراقبونها كما يراقب الحارس بوابة المدينة.
“لا تغفو وتصحو” تناوب جميل بين الجهد واليقظة، بين جسدٍ يتعب وروحٍ لا تنام.

أما “الثنايا” فهي الطرق الصعبة، الشعاب الوعرة، وهي رمزٌ للمشقّة في درب المعرفة.
فالعلم، في نظر مواسي، ليس تلقّيًا سلبيًا، بل جهادٌ روحيٌّ يوميّ.
العين رمز الجسد، والروح رمز الإصرار — وكلاهما لا يهدأ حتى يصل إلى النور.

🌼 خامسًا: الطالب زارع الجمال في العالم

إنهم طلاب علمٍ ليس إلاّ
يزرعون الورد في كل الزوايا

في هذا البيت يقدّم الشاعر أسمى تعريف لطلاب العلم:
إنهم لا يحملون السيوف ولا الرايات، بل يزرعون الورد.
أي أنهم يزرعون المعرفة والتهذيب والنور في زوايا الحياة، في عتمات الجهل والضياع.

الصورة هنا إنسانية وكونية معًا.
العلم فعل جمالي بامتياز، فكل من يتعلّم، يُنبت في العالم وردة جديدة، وكل من يجهل، يترك شوكة في الطريق.
هكذا يجعل كاظم مواسي من الطالب فاعلًا حضاريًا وجماليًا، لا باحثًا عن شهادة فحسب.

🌺 سادسًا: العلم ثمرة التعب وامتداد الأسرة

نِعْمَ ما جاؤوا به بعد العناءِ
نِعْمَ أمٍّ وأبٍ، نعم البرايا

هنا يتحوّل النص إلى أنشودة وفاء للأهل الذين رعوا أبناءهم بالحبّ والصبر.
يقرن الشاعر نجاح الطالب بفضل الأم والأب، فيجعل من العلم ثمرة تربوية وإنسانية.
هذا البيت يحمل روح الشكر والاعتراف، وهو من أجمل لحظات القصيدة صدقًا ودفئًا.

فيه يُكرِّس الشاعر فكرة أن النجاح الفرديّ لا يُولد من فراغ، بل من حضن الأمّ ودعاء الأب، من الجذور التي سقت الجهد بالصبر.

🌻 سابعًا: ذروة القصيدة — تمجيد العلم كجوهر الوجود

ليس كالعلم منالٌ في الوجودِ
إنه الدنيا وما فيها سويّا.

يختم الشاعر قصيدته ببيتٍ يختزل الفلسفة كلّها في سطرين.
العلم، في تصوّره، ليس وسيلة للعيش، بل هو غاية الوجود ذاته.
هو الحياة في معناها الأسمى، وهو التاج الذي يكلّل الإنسان بالعقل والكرامة.

“إنه الدنيا وما فيها سويّا” — أي أنه المعادل الكلّي لكل شيء جميل،
هو المعنى، وهو القيمة، وهو النور الذي يمنح العالم اتزانه.
بهذا الخاتم المهيب، تتحوّل القصيدة إلى بيان شعريّ في حبّ العلم والإنسان.

🌿 ثامنًا: البعد الفلسفي والإنساني

قصيدة “لطلاب العلم” ليست مديحًا نمطيًا، بل قصيدة تأسيسية لرؤية أخلاقية وإنسانية.
فيها الإيمان بأن العلم يحرّر الإنسان من عتمة الغرائز، ويرفعه إلى مقام الإدراك والتسامي.
هي قصيدة الإنسان الكامل — ذاك الذي يتوازن فيه الجهد العقلي والإيمان الروحي.

كاظم مواسي، عبر لغته الرفيقة والمضيئة، يعيدنا إلى جوهر الرسالة النبوية الأولى:
“اقرأ”.
فالعلم هنا ليس حكرًا على المعاهد، بل شكلٌ من أشكال العبادة، طريقٌ نحو معرفة الله والإنسان والوجود.

🌸 تاسعًا: جمالية الأسلوب ولغة النور

لغة القصيدة مشرقة، رقيقة، لكنها قوية الجذر.
الشاعر يستخدم تراكيب فخمة دون غموض، ويوازن بين الموسيقى والوضوح.
صوره تنبع من الطبيعة السماوية والنورانية (الثريّا، الورد، الدرب، النور، الليل)،
فكأن العلم عنده كائنٌ من الضوء يسري في الناس ليبعث فيهم الحياة.

القصيدة تسير بإيقاعٍ متدرّج من الحنين إلى المجد حتى ذروة النور في الختام،
لتخلق في القارئ إحساسًا بالطمأنينة والسموّ معًا.

🌷 عاشرًا: خاتمة القراءة — رسالة الأمل

في النهاية، تظل قصيدة كاظم إبراهيم مواسي أنشودة شكرٍ للعلم ولمن يسعون إليه.
إنها تذكير بأن طريق النور لا يُعبَد بالكلام، بل بالعرق والصبر والسهر،
وبأن الأمم لا تنهض بالسياسة ولا بالقوة، بل بأولئك الذين “يزرعون الورد في كل الزوايا.”

إنها قصيدة تربوية، روحية، فكرية، تُعيد الاعتبار للعقل والجهد في زمنٍ يميل إلى السطحية.
وهي في الوقت ذاته صلاة على أرواح المعلمين والطلبة معًا،
أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن الكتاب شمعة، وأن القلم جناح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة