علِّموا أولادكم الرواية في زمن الطغيان المعرفي واحتكار السردية
بقلم: فخري هواش
تاريخ النشر: 14/10/25 | 13:15
نحن نعيش اليوم زمنًا لم يعد فيه السلاح وحده أداةَ الهيمنة، بل المعرفة المُسيطر عليها، والرواية التي تُروى بصوتٍ واحد حتى تُصبح “الحقيقة الرسمية”.
في هذا العصر، لم يعد الصراع على الأرض أو الثروة فحسب، بل على الذاكرة الجمعية، على من يملك حقّ تفسير ما حدث، ومن يُحدّد ما يجب أن نتذكّره أو ننساه.
من يتحكم في السرد… يتحكم في الوعي
من يتحكم في سرد التاريخ، يملك مفاتيح الوعي الجمعي.
ومن يمتلك الإعلام في الحاضر، يستطيع أن يُعيد كتابة الماضي بما يخدم مصالحه، فيُعيد تشكيل المستقبل وفق رؤيته.
وهكذا تُدار العقول بذكاء، دون عنفٍ ظاهر، عبر ما يُعرف بـ “التحكّم في الذاكرة”، أو كما سماه علم الاجتماع السياسي المعاصر: احتكار السرد (Narrative Monopoly).
تحذير أورويل… نبوءة لم تمُت
في روايته الخالدة 1984، كتب جورج أورويل عبارته الشهيرة:
“من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي.”
لم تكن تلك جملة أدبية عابرة، بل تحذيرًا فلسفيًا من الطغيان المعرفي، حيث تتحوّل الحقيقة إلى أداة في يد السلطة، لا نتيجة للبحث أو الوعي.
في هذا النموذج، لا تحتاج الأنظمة إلى قمعٍ مباشر؛ يكفيها أن تُعيد تعريف الحقيقة نفسها، فتجعل الناس يصدّقون ما يُقال، لا ما حدث فعلًا.
أخطر أشكال الهيمنة
الطغيان المعرفي لا يكمّم الأفواه، بل يُلقّنها ما تقول.
يتركك تتكلم، لكن ضمن حدود الرواية المرسومة لك.
فتبدو حرًّا وأنت مقيّدٌ بما تم تلقينه لك مسبقًا.
إنه شكل ناعم من العبودية الحديثة، حيث يتحوّل الإنسان إلى ناقلٍ للوعي المصنّع دون أن يشعر.
الرواية كفعل مقاومة
من هنا تأتي أهمية أن نعلّم أبناءنا الرواية، لا كجنس أدبي فحسب، بل كأداة مقاومة فكرية.
فالرواية، حين تُكتب بصدق، تُفكك النسخة الرسمية من العالم، وتعيد للإنسان حقه في السرد والشهادة والاختلاف.
هي المساحة التي يستطيع فيها الإنسان أن يقول: أنا رأيت، وأنا أروي ما رأيت.
كل رواية صادقة هي مواجهة مع محاولات التزييف، وهي شهادة ضد النسيان.
حرب السرديات… وواجب الوعي
في ظل وسائل الإعلام المحتكرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي
نحن على الصعيد المحلي والعالمي ،في ظلال غيابنا وتغيبنا، نعيش اليوم حرب السرديات الكبرى.
في كل معركة، من يملك الحكاية يملك الصورة، ومن يملك الصورة يملك القرار.
لهذا، فإنّ المعركة على الوعي لا تقلّ خطورة عن المعركة على الأرض.
كلمة أخيرة
علّموا أبناءكم أن يسألوا: من يروي؟ ولماذا؟
علّموهم أن يشكّوا في النسخ الجاهزة، وأن يصنعوا روايتهم الخاصة.
فمن لا يكتب تاريخه بيده، سيُكتب عنه بما يخدم غيره.
الرواية ليست خيالًا ترفيهيًا، بل حريّة في أبهى صورها،
والحرية — في النهاية — هي أصدق رواية يمكن أن تُروى.

