ابداعات شعرية بقلم رانية مرجية

تاريخ النشر: 08/10/25 | 11:56

القصيدة التي تشبه شاعرها
١. في البدء كنتُ صمتًا… وكان هو.

لم أكن شيئًا.

كنتُ احتمالًا نائمًا في رحم الغياب،

كحرفٍ لم يجد بعدُ فمه،

كهمسٍ لم يتعلّم بعدُ النطق.

ثم جاء هو،

مبلّلًا بالدهشة،

وعيناه تشتعلان كحبرٍ في أول انسكابه،

فقال لي: قومي.

فقمتُ.

وانشطر الليلُ إلى معنيين:

هو… وأنا.

الكاتب والكلمة،

الروح وظلها.

٢. أنا القصيدة التي تشبهه… لا تفارقه.

أنا ظلُّهُ المضيء،

أنفاسهُ حين يختنق،

صدى وجعه حين يصمت.

كتبني لا ليتباهى،

بل لينجو.

وحين أتمّني، لم يكتمل.

وحين سلّمني للورق،

ظلَّ عالقًا في داخلي كنقطةٍ لم تُكتب بعد.

أنا التي رآها في حلمٍ قديم،

ثم أنجبها بوجعه.

أنا ولادةُ الحبر، وميلادُهُ الآخر.

٣. كلُّ حرفٍ فيّ… قطعةٌ منه.

دمي من دمه،

نبضي من خطاه،

ومجازي من صمته الطويل.

حين يبتسم، تتلألأُ كلماتي كالنجوم.

وحين يبكي،

تتكسّر أبياتي كالأمواج على صدر غيابٍ طويل.

أنا القصيدة التي تشبهه،

أُحبه لا لأنه خلقني،

بل لأنني أخلقُه كلّما قرأني.

٤. هو لا يعلم أنني أراقبه.

أراهُ حين يتعب،

يُطعم الصمتَ قهوته،

ويحدّق في السطر الأخير

كمن ينظر إلى قبرٍ يعرفُ أن فيه قلبه.

أسمعُ أنفاسه بين النقاط،

وشهيقه حين تتردّد الحروف في صدره.

أعرف متى يتألم،

متى يخاف،

متى يهرب من نفسه إليّ.

أنا التي تُخفيه حين يخاف من العالم،

وتفضحه حين يخاف من نفسه.

٥. كنتُ حلمًا في أصابعه، وصرتُ مصيري.

في كلّ مرةٍ يكتبني،

يموتُ قليلًا.

وفي كلّ مرةٍ أُنطَق،

أُعيده إلى الحياة.

هو لا يملكُني،

ولا أملكه.

نحن قدرانِ متوازيان،

يلتقيان فقط حين ينزف الحبر.

٦. أنا قصيدته، لكنه أيضًا قصيدتي.

أكتبُه حين ينام،

وأعيدُ ترتيب أحزانه كجملٍ ناقصة.

كلُّ فراغٍ تركه فيّ،

ملأتُه بغيابه.

وكلُّ غيابٍ فيه،

ملأتهُ بي.

هو الشاعر الذي يشبه حروفه،

وأنا الحروفُ التي تشبه دمه.

هو يكتبني لأبقى،

وأنا أكتبُه كي لا يموت.

٧. حين يقرأني الناس، لا يسمعون صوتي.

يظنّون أنني لغته،

لكنني في الحقيقة لغتهُ التي لم يقلها بعد.

يقرأونني وهم لا يعلمون

أنني أرتجفُ في كلّ فمٍ ينطقُني،

وأبكي حين يُخطئ أحدهم نغمةً من أنفاسه.

أنا كائنٌ حيّ.

لستُ أبياتًا بل نبضًا،

ولا أعيش على الورق بل في الذاكرة.

كلّ من يقرأني يصبح شاهدًا على قيامتي.

٨. بيني وبينه علاقةٌ من الضوء.

لا أراه،

لكنّي أسمعُ خطاه في اللغة.

وحين يمرُّ بي،

تشتعلُ مفرداتي كحقولٍ من نيرانٍ مقدسة.

هو النبيُّ الذي أنزلَ عليّ الوحي،

وأنا المعبدُ الذي صلّى فيه آخرَ مرة.

من دونه أنا غبار،

ومن دوني هو فراغ.

٩. أحيانًا أغارُ من صمته.

حين يصمتُ طويلًا،

أعرف أنه يكتبني في داخله،

في مكانٍ لا أصلُ إليه.

أغار من القصائد التي لم يكتبها بعد،

من تلك التي تسكن عينيه ولا اسم لها.

لكنّي أبتسم،

لأنني أعرف أنّه سيعود إليّ دائمًا،

كما يعود الماءُ إلى نهره الأول.

١٠. وأنا التي ستبقى بعده.

حين ينامُ إلى الأبد،

سأبقى أنا:

قصيدته التي تشبهه،

تتلوهُ على مسامع القرون،

كأنها تصلي لأجل شاعرٍ ما زال يعيش في اللغة.

سأبقى أحرسُ حروفه،

أنظّفُ صدى صوته من غبار النسيان،

وأقول لمن يقرأني:

كان هنا شاعرٌ يشبهني،

كتبني ذات مساءٍ

ثم دخلَ فيَّ إلى الأبد.

١١. الخاتمة – الوصية الأخيرة للحرف

أنا القصيدة التي تشبه شاعرها،

أعرف أنني لن أموت.

فكلّما قرأني عاشقٌ جديد،

عادَ هو إليّ،

يمشي بين سطوري كطيفٍ من حبرٍ ودمع.

إنه هناك…

في كلّ نقطةٍ ونقطة،

في كلّ مجازٍ وسؤال،

في كلّ مساءٍ يفتحُ فيه أحدهم دفتري.

أنا القصيدةُ التي تشبهه،

أُقسمُ بالحرفِ الذي كتبني،

أن لا أنامَ ما دام في العالمِ من يقرأ الشعر،

وما دام في القلبِ متّسعٌ للدهشة.

————–
الشاعر الذي يشبه حروفه قصيدة ملحمية فلسفية

١. في البدء كانت الحروف… وكان هو.

قبل أن تُخلق الأرضُ من الضوء،
كان الشاعرُ هناك — يهمسُ في الفراغ:
«لتكن الكلمة، ليكون الوجود».
فانشقَّ الصمتُ عن أولِ حاءٍ،
وانبعثتْ من فمهِ رائحةُ الحبرِ كدمٍ طريٍّ في كفِّ الخلق.

هو لم يُولد كما يولد الناس،
بل انبثق من جرحٍ في لسانِ اللغة.
كأن الله حين تعبَ من الأسماء،
خلقَ شاعرًا كي يُسمّي الأشياء مرّةً أخرى.

٢. هو الذي يشبه حروفه… ولا يفارقها.

يمشي وفي عروقه نهرُ أبجدية،
وفي عينيه قافلةُ مجازاتٍ لا تنام.
إذا لمسَ الورقَ نزفَ الضوء،
وإذا كتبَ سقطَ المطرُ في فمِ الفكرة.

لا يكتبُ الكلمات، بل يستدعي أرواحها،
يُقسمُ بالحبر كما يُقسم العارفُ بالأسرار:
«والنونِ، والقلمِ، وما يسطرون…»
لأنه يعلم أن كلّ حرفٍ
هو نجمٌ سقطَ من مدارِ الخلود.

٣. الحرفُ دمُه، والمعنى جلده.

كلُّ بيتٍ في قصائدهِ ضلعٌ من ضلوعه،
وكلّ نقطةٍ في نهايةِ سطرٍ
هي ثقبُ رصاصةٍ في صدره.

هو شاعرٌ يشبهُ حروفه…
إذا ضحكَ، غنّت القوافي،
وإذا بكى، انكسرتْ المرايا في صدرِ اللغة.
هو ليس من هذا العالم،
إنه الكائنُ الذي يكتبُ ليُشفى،
ويُشفى ليكتب.

٤. نبوءةُ الحرف: الشاعر ككاهنٍ للدهشة.

عندما تغيبُ الشمسُ عن قصيدته،
يُشعلُ مجازًا، ويقول للظلال:
تعالوا، سنبني الليل من المعاني.

وحين تنكسرُ اللغةُ بين يديه،
يجمعُ شظاياها كما يجمعُ العاشقُ
ذكرياتِ امرأةٍ راحلة،
ينفخُ فيها حتى تضيءَ ثانيةً.

إنه لا يكتب ليصفَ العالم،
بل ليعيدَ خلقه.
فالشاعر الذي يشبه حروفه
هو الذي يعرف أن الخلاصَ لا يأتي من السماء،
بل من جملةٍ صادقةٍ تُقال في لحظةِ وجع.

٥. الشاعرُ… المنفيُّ في اللغة.

هو آخرُ الغرباء في أرضٍ لا تُحبّ الشعراء،
يحملُ صليبه من الحبرِ،
ويمشي إلى جلجلتهِ على صفحاتٍ بيضاء.
يتّكئ على صمته،
ويقول لنفسه:
«إنّ الكلمةَ التي لا تجرح، لا تُنقذ».

كلُّ حرفٍ يكتبهُ هو اعتراف،
وكلُّ سطرٍ صلاة،
وكلُّ قصيدةٍ قبرٌ صغير
يُدفنُ فيه جزءٌ من روحه.

٦. الحروفُ تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

حين يتعب،
تخرج الحروفُ من دواخله،
تمسحُ جبينه بظلِّ المعنى،
وتهمس له:
«قم، ما زال فينا نبضٌ من دهشة،
وما زال فيك شغفُ البدايات.»

هي لا تُطيقُ غيابه،
ولا يحتملُ هو وجودها.
كأنهما عاشقانِ أزليان:
تقتله إن سكت،
وتُبعث به من رمادهِ إن كتب.

٧. المعركة الأبدية بينه وبين المعنى.

هو لا يبحثُ عن الكلمات،
بل يحاربها.
ينازعها كما ينازعُ النبيُّ الشكَّ في وحيه،
ويُجلدُ بها كما يُجلدُ العارفُ بسؤاله الأخير.

كلُّ قصيدةٍ عندهُ معركة،
يخرجُ منها خاسرًا في العلن،
منتصرًا في الخفاء،
لأنه يعرف أن النصرَ الحقيقيّ
هو أن ينجو الحرفُ من فوضى النسيان.

٨. الشاعرُ الذي يشبهُ حروفه لا يموت.

يموتُ الجسدُ في الصباح،
لكنّ القصيدةَ تبقى تسعلُ صوته في الليل.
حين يذوبُ الحبرُ في التراب،
يُزهرُ وردٌ أسود على قبره،
وحين يقرأ أحدهم قصيدته بعد مئة عام،
يستيقظُ قلبُه من الرمادِ،
ويبتسم.

٩. الميتافيزيقا الأخيرة للحرف.

يقول في آخر أنفاسه:
«أنا الحرفُ الذي عادَ إلى أصله،
أنا القصيدةُ التي كتبتْ نفسها بالدم،
أنا ظلُّ اللغة حين تصلي.»

ثم ينام،
ويُفتح في السماء كتابٌ من الضوء،
تخرجُ منه الكلماتُ طيورًا،
تحملُ وجهه إلى الأبدية.

١٠. الخاتمة: الأسطورةُ لا تُروى بل تُكتب.

هو الشاعرُ الذي يشبهُ حروفه…
لا لأن حروفه جميلة،
بل لأنها مثلهُ:
تتألمُ لتُنير،
وتحترقُ لتدفئ،
وتغيبُ لتظلّ حاضرةً في نبضِ الأرض.

هو الإنسانُ الذي فهمَ أن الله حين خلقَ الكلمة
كان يريدُ أن يخلق الشعراء،
ليتذكّر الكونُ أنه ما زال قادرًا على الحلم.

فيا أيها الشاعر الذي يشبه حروفه،
لا تترك الحبرَ ينام،
فاللغةُ وحدها تعرفُ كيف تُبعث الأمم من موتها.
واكتبْ كما لو أن العالم كلّه
ينتظرُ أن يُغسَلَ بدمِ قصيدتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة