قراءة في قصيدته «كُنّا هُنا» بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 06/10/25 | 17:58

في قصيدته «كُنّا هُنا»، يقدّم لنا الشاعر زهير دعيم نصّاً شعرياً باذخاً في معانيه، مشبعاً برائحة الذاكرة وحرارة الوجود الإنساني. قصيدة تنبض بحسٍّ تأمّليّ عميق، يلتقط فيها الشاعر لحظة الحضور الإنساني وسط زحام الغياب، ويُسائل عبرها جدوى البقاء في عالمٍ يتكرّر فيه كلّ شيء سوى الأمل.

أولاً: نسيج الذاكرة والوجود

منذ المطلع، يضعنا الشاعر في قلب الزمان والمكان، في تكرارٍ وجوديّ لا يخلو من الحنين:

كُنّا هنا… قبل أيلول ومواكب الزرزور وتناثر أوراق الشجر…

تلك الجملة المفتاحية “كُنّا هنا” ليست تقريراً عابراً، بل صرخة هوية، واستعادة لحضورٍ إنسانيّ يخشى الذوبان في مجرى الزمن.
يُحيلنا الشاعر إلى ذاكرة جمعية، يختلط فيها الخريف بالوجوه، والحنين بالخذلان، ليقول إننا ـ رغم تكرار الأيام وتحوّلاتها ـ نظلّ نحن، نحمل ذات الأحلام ذاتها، ونجرّ ذات الخيبات.

ثانياً: ثنائية الأمل والخذلان

تتأرجح القصيدة بين نغمتين متناقضتين: نغمة الانكسار ونغمة الرجاء.
يقول الشاعر:

نشرب الأحلام عُنوةً، ونلوكُ الرجاء… نبعثر في فضاءات الأكوان ألف وعدٍ وألف كذبة…

في هذا المقطع يختزل دعيم فلسفة الإنسان المعاصر: نعيش على الوعود، نُغذّي أوهامنا، ثم نعود لنتقيأها من جديد.
هي صورة قاسية، لكنها واقعية، تعبّر عن الوعي العميق بتكرار التجربة البشرية ودوّامة الخيبة التي لا تنتهي، ومع ذلك، يبقى الأمل حيّاً كنبضةٍ عنيدة لا تموت.

ثالثاً: الصورة الشعرية وجماليات اللغة

لغة الشاعر شفافة حدّ الوجع، تنساب بانسيابيةٍ موسيقية تجعل من القصيدة أقرب إلى سيمفونية داخلية.
تظهر الصور الشعرية غنية بالتضادّات:
• (الزرزور / الأوراق / العصفورة) مقابل (الثعلب / الأكاذيب / الأنا)،
في إشارة إلى صراع الخير والشر، الحلم والخداع، النقاء والمكر.

واللافت أن دعيم لا يستخدم الصورة الشعرية للتجميل فحسب، بل كوسيلة تفكير وتأمل، إذ تتحوّل العصفورة التي “تطعم أفراخها في شقّ الصخر” إلى رمزٍ للإنسان الذي يواصل العطاء رغم القسوة والخطر، فيما “الثعلب” يظلّ حاضراً كرمزٍ للشرّ المتربّص والأكاذيب المتوارثة.

رابعاً: الرؤية الفلسفية والبعد الإنساني

في «كُنّا هُنا»، يلامس زهير دعيم أسئلة الوجود الكبرى دون أن يصرّح بها مباشرة.
هو يتأمّل مصير الإنسان في دورة الحياة، بين تكرار الزمان وتبدّل الوجوه، ويؤكّد أن البقاء الحقيقي ليس في المكان، بل في الوعي، في الأمل، في القدرة على الاستمرار رغم العتمة.

وفي قوله:

حتى يأتي على السحاب أمل الأكوان ورجاء الدنيا
يبلغ الشاعر ذروة التأمل الروحي، كأنه يرفع القصيدة من واقعها الأرضي إلى فضاءٍ سماويّ، حيث يصبح الأمل خلاصاً كونيّاً، لا مجرّد شعور إنسانيّ محدود.

خامساً: خلاصة القول

قصيدة «كُنّا هُنا» ليست مجرّد تأمل في الذاكرة أو الحنين، بل بيان شعريّ في معنى البقاء.
يكتب زهير دعيم من عمق التجربة الإنسانية، ليؤكد أن الإنسان، مهما تعرّض للخذلان والتكرار، يظلّ يزرع الرجاء في وجه العدم.

بلغةٍ تجمع بين البساطة والعُمق، بين الصورة والرؤية، يقدّم لنا دعيم نصّاً يُقرأ أكثر من مرّة، ويترك فينا أثراً كالوشم، لأننا جميعاً كنّا هنا… وما زلنا.

كُنّا هُنا – بقلم : زهير دعيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة