خواطر وقصص بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 04/10/25 | 15:20
بين الجليل والـسويداء: قصة أمّهات لا ينهزمْن
1. بداية الحكاية
في قرية صغيرة من قرى الجليل، جلست أمّ يوسف عند عتبة بيتها الحجري. الشمس تخرج من بين الغيوم ببطء، كأنها تعبت من النهار. أمامها شجرة زيتون عتيقة، غرسها والدها يوم وُلد يوسف. كانت تمسح بيدها على الجذع وتهمس:
– “ها أنتِ تكبرين معه… إن عاد كبرتك معه، وإن غاب فستكونين أنتِ ابنه الباقي.”
يوسف، ابنها الوحيد، غاب منذ سبع سنوات في السجن. لكنها لم تفقد عادة الانتظار. كل صباح تسكب ماءها على جذور الزيتونة كما لو أنها تسقي ابنها، وتقول للجيران: “الزيتون لا يخون، سيحمل وجهي ووجهه معًا.”
٢. على الجهة الأخرى
وفي بيت حجري على سفح جبل في السويداء، جلست أمّ تيم قرب نافذتها. الليل كان يهبط ببطء، والبرد يزحف إلى العظام. أمامها شمعة صغيرة تشعلها كل مساء، وتضع بجانبها صورة ابنها الذي غاب في الحرب.
قالت للشعلة المرتجفة:
– “إن لم يرجع، فليكن نورك دليله… حتى لو لم يعد، سأبقى أضيء له الطريق.”
أدركت في سرّها أن الشموع لا تحيي الغائبين، لكنها تمنح قلبها عزاءً كي لا ينكسر.
٣. الأطفال شهود الأرض
في الجليل، حفيد أمّ يوسف، طفل صغير بعينين لامعتين، ركض بين كروم العنب يحمل طائرة ورقية صنعها من ورق دفتر قديم. رفعها للسماء وهو يصرخ:
– “يا ريح… خذيني إلى يوسف!”
ارتفعت الطائرة قليلًا، ثم علقت بين أغصان الزيتون. التقطها الطفل وهو يضحك، كأنه تلقى رسالة سرية من عمّه الأسير.
وفي السويداء، جلست ابنة أمّ تيم على صخرة قرب البيت، تمسك بدفتر رسم. خطّت عليه بيتًا كبيرًا بلا جدران، تحيطه أشجار التفاح. سألتها الأم:
– “لمن هذا البيت يا صغيرتي؟”
فأجابت الطفلة بثقة بريئة:
– “لكل من لا بيت له… ولكل من يعود من الغياب.”
٤. اللقاء الذي لم يحدث
لم تلتقِ الأمّان، ولم يسمع الطفلان أحدهما بالآخر. لكن في مكان ما، بين السهل والجبل، على جسر من روح وأمل، التقت الحكايتان.
رأت أمّ يوسف في حلمها امرأة تشعل شمعة وتبكي بصمت. سألتها:
– “منذ متى وأنتِ تنتظرين؟”
فأجابت أمّ تيم:
– “منذ ما يكفي لأفهم أن الانتظار أمومة أخرى.”
مدّت كل واحدة يدها للأخرى، كأن الغياب صار أقل ثِقلاً حين انقسم بين قلبين.
٥. الخاتمة: وصية الأرض
حين يسأل الغريب: “ما الذي يجمع الجليل بالسويداء؟”
لن ترد الخرائط، بل الحكايات.
امرأة تسقي زيتونة باسم ابنها الأسير.
امرأة تشعل شمعة باسم ابنها المفقود.
طفل يركض خلف الريح، وطفلة ترسم بيتًا بلا جدران.
كلهم يكتبون وصية واحدة للعالم:
“لسنا حدودًا ولا أرقامًا. نحن أمهات وأطفال وأرض لا تموت.”
———————–
مقال رأي
فلسطين… جرح الإنسانية المفتوح وفضيحة القرن
منذ أكثر من سبعة عقود، لا تزال فلسطين جرحًا ينزف في جسد الأمة العربية والإنسانية جمعاء. جرحٌ لم يلتئم لأن العالم، بقواه الكبرى ومؤسساته الدولية، اختار أن يغمض عينيه ويترك شعبًا بأكمله تحت رحمة احتلالٍ هو الأطول والأبشع في التاريخ الحديث.
في فلسطين، تختصر كل معارك الحرية في العالم. فالمسألة لم تعد مجرد صراع على حدود أو أراضٍ، بل صراع على الوجود والكرامة والحق في الحياة. غزة المحاصرة منذ سنوات، والضفة الغربية التي تلتهمها المستوطنات يومًا بعد يوم، والقدس التي تُهوّد حجرًا حجرًا—كلها شواهد على ظلم لا يخفى على أحد، إلا من أراد أن يتعامى.
ازدواجية المعايير… خيانة للضمير الإنساني
ما يزيد مأساة فلسطين ألمًا ليس فقط الاحتلال، بل ازدواجية المعايير الفاضحة. كيف يمكن للعالم أن يستنفر دفاعًا عن أوكرانيا في غضون أيام، بينما يتجاهل معاناة الفلسطينيين المستمرة منذ أكثر من سبعين عامًا؟ كيف تُفتح الحدود وتُسخّر الإمكانيات لحماية الأوروبيين، بينما يُترك الفلسطيني محاصرًا تحت القصف، تُهدم بيوته فوق رؤوس أطفاله؟
هذا الانحياز الصارخ أفقد البشرية ثقتها بما يُسمى “النظام الدولي”. فالقانون الدولي، وحقوق الإنسان، والعدالة، ليست إلا شعارات جوفاء إذا لم تُطبق على الجميع. وما يحدث في فلسطين يفضح نفاق العالم بأسره.
الإعلام… ساحة أخرى للاحتلال
الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، بل يحاول سرقة الرواية أيضًا. في الإعلام الغربي، تُختزل فلسطين في “نزاع معقد”، ويُقدَّم الفلسطيني المقاوم كإرهابي، بينما يُمنح المحتل حق “الدفاع عن النفس”. هذه اللغة المضللة أخطر من الرصاص، لأنها تشوه وعي الأجيال وتُحوّل الضحية إلى جلاد.
ومع ذلك، فإن عدسة صغيرة بيد طفل فلسطيني، أو صورة يلتقطها صحفي ميداني تحت الخطر، كفيلة بأن تهز ضمير العالم وتكسر الجدار السميك من التضليل. وهنا تكمن قوة الحقيقة: إنها لا تُقهر مهما حاولوا طمسها.
الصمود الفلسطيني… معجزة العصر
رغم كل شيء، يظل الفلسطيني أيقونة للصمود. في غزة، حيث لا كهرباء ولا ماء ولا دواء، يخرج الأطفال إلى مدارسهم بين الركام. في القدس، حيث التهديد بالترحيل والهدم قائم في كل لحظة، يزرع الفلسطيني شجرة زيتون جديدة. وفي الضفة، حيث المستوطن يسرق الأرض علنًا، يتمسك الفلاح بحقه ويصر على حراثة ترابه.
إن قدرة الفلسطيني على الحياة وسط الموت، وعلى الأمل وسط اليأس، هي المعجزة الحقيقية التي لم يفهمها المحتل. فالمقاومة ليست بندقية فقط، بل هي تمسك بالحياة، ورفض للاندثار، وإيمان عميق بأن هذه الأرض لا يمكن أن تكون إلا لأصحابها.
فلسطين… بوصلة الأخلاق
القضية الفلسطينية هي المعيار الذي يُقاس به ضمير العالم. من يقف مع فلسطين، يقف مع العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. ومن يتخلى عنها، فهو يتخلى عن قيمه الإنسانية قبل أن يتخلى عن الفلسطينيين.
قد يطول الليل، وقد يتضاعف القهر، لكن التاريخ يقول لنا شيئًا واحدًا: الشعوب التي تصر على حقها لا تُهزم. وفلسطين، برغم كل الجراح، ستبقى البوصلة التي تعيد للإنسانية اتجاهها الصحيح.
—————————-
في زمنٍ يركض… امتنانك
هو نجاتك
بقلم: رانية مرجية
في عالمٍ مزدحمٍ بالصوت والضجيج، أصبح الصمت رفاهية، والسكينة حلمًا بعيد المنال.
نستيقظ على أخبار الموت، وننام على حكايات الخسارات، نلهث وراء لقمة العيش، نُعدّ نجاحاتنا على عجل، وننسى أن نسأل أنفسنا:
هل نحن بخير فعلًا؟
نظن أن السعادة تأتي مع المنصب، أو المال، أو السفر…
لكن الحقيقة أن السعادة كانت معنا دائمًا، مختبئة بين تفاصيل صغيرة أهملناها،
في ابتسامة أمٍّ أنهكها التعب،
في فنجان قهوة شاركناه مع صديقٍ قديم،
في صباحٍ لم يحدث فيه شيء سيئ.
💫 الامتنان… دواء الأرواح المنهكة
يقول علماء النفس إنّ الامتنان ليس شعورًا عابرًا، بل هو ممارسة عقلية وروحية تغيّر كيمياء الدماغ.
حين نكتب كلّ مساء ثلاثة أشياء نشعر بالامتنان لها، فإننا نُعيد توجيه وعينا من النقص إلى الوفرة، من الحزن إلى التقدير، من الشكوى إلى الشكر.
الامتنان لا يُلغي الألم، لكنه يعلّمنا أن نرى الضوء في نهاية النفق، مهما كان بعيدًا.
كم من مرةٍ غيّر الامتنان مسار يومك؟
حين قلت “الحمد لله” بعد أزمة، أو ابتسمت رغم الخسارة…
في تلك اللحظة بالذات كنت تُرمّم روحك دون أن تدري.
🌷 التفكير الإيجابي… مقاومة صامتة
التفكير الإيجابي لا يعني أن نعيش في وهمٍ ورديّ، بل أن نختار زاوية النظر الصحيحة.
أن نواجه الألم دون أن نسمح له بابتلاعنا.
أن نؤمن أنّ في كلّ تجربة درسًا، وفي كلّ سقوط فرصة للنهوض.
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، صار الإيجابيون يُتهمون بالسذاجة،
لكنهم في الحقيقة أكثر شجاعة، لأنهم اختاروا ألا يتركوا للظلام آخر الكلمة.
🌻 دعوة إلى الامتنان
اليوم، قبل أن تُطفئ هاتفك، حاول أن تكتب ثلاث جمل بسيطة:
“أشكر قلبي لأنه ما زال ينبض رغم الخيبات.”
“أشكر من أحبّوني بصمت.”
“أشكر الله على يومٍ آخر أتنفس فيه بحرية.”
هذه الجمل الصغيرة ليست طقوسًا سطحية،
بل هي مقاومة ناعمة في وجه زمنٍ يلتهم أرواحنا بسرعة الضوء.
الامتنان لا يغيّر العالم من حولك،
لكنه يُغيّرك أنت،
وحين تتغيّر أنت… يصبح العالم أخفَّ وجعًا.

