الفنان في المعزل – إلى من كانوا جذورنا
رانية عقل
تاريخ النشر: 02/10/25 | 18:25
الفنان ليس مجرد ريشة أو إزميل، بل هو إنسان صاحب قيم، تواصل، تعاطف، وذاكرة جمعية. هو من علّمنا أن اللون حياة، وأن الحجر يمكن أن ينطق.
اليوم، كثير ممن تتلمذنا على أيديهم، أو كبرنا على مدارسهم، يقبعون في عزلة؛ على سرير المرض، أو على كرسي، أو خلف صمت ثقيل. الأجساد أُنهكت، لكن الأرواح ما زالت شاهدة على زمن جميل، زمن كانت فيه المهرجانات مساحة لقاء، لا مجرد حدث عابر.
أخص بالذكر جمال حسن، أول المبادرين إلى إقامة مهرجانات النحت على الحجر الجليلي الراكد منذ آلاف السنين. منح كل فنان شاب شغوف منصة ليعمل، وأتاح لنا التعلم الميداني، تبادل الأفكار والمعرفة والتجارب، والسهر حول النار بعد يوم طويل من مواجهة حجر يزن أربعة أطنان. غاب جمال مع مرضه وغابت المهرجانات.
وغاب معنا أيضًا كمال ملحم، الفنان الجميل، رفيق الدرب وصاحب الكلمة الحلوة الذي كان يؤرخ خطواتنا بمقالاته في صحيفة الاتحاد، يحلل أعمالنا بصمت رقيق. واليوم هو أيضًا أسير المرض.
وسلمان منصور، الفنان الذي حمل قضيّتنا بريشته كما تُحمل الراية، وصاغ وجوهنا وذاكرتنا بألوانه. في لوحاته كان الوطن بيتًا وأمًا وحقلاً، وكان الإنسان في جوهره حكاية صمود. لم يكن مجرد رسّام، بل شاهدًا ومؤرخًا للفن المقاوم، أعطى فنه بسخاء حتى صار مدرسة للأجيال. واليوم هو أيضًا أسير المرض، لكن عطاؤه ما زال حيًا في قلوبنا وفي كل لوحة تركها لنا. هو عَلَم من أعلامنا، وذاكرة بصرية جماعية لا تُمحى.
كبر العظماء. كبر مارون الياس وودّعنا، وفارقنا نهاد ضبيط الذي كان رفيق الروح والعمل. فمن نكون دونهم؟ دون عظمة المدارس التي شكلتنا، يوم كان الفن مجلدًا بالقيم، لا مجرد إنتاج بصري؟
محمد كلش، ابن بلدي، صاحب الخط والزخارف العربية، رحل وترك أعماله تملؤها الغبار، دون أن نحرك ساكنًا لنخلّد سيرته أو نستثمر إرثه في معرض ثابت أو متحف يبعث روح مسيرته الفنية للأجيال القادمة.
ومحمود فضول “خروبي”، النحات بالفطرة، صاحب العود ورفيق السهرات في المهرجانات، كان الفن يتدفق منه كما يتدفق النهر من قلب الجبل.
وإبراهيم مالك، ذاك الذي كان منارة وقبلة نلتقي عند بيته في كل فسحة بين مهرجان ومهرجان. غاب هذا الجمال، وبقي الحنين.
لقد جمعونا جميعًا: الكاتب والشاعر والممثل وصاحب المسرح. الفن لم يكن غاية بحد ذاته، بل مسيرة وسيرورة متينة، بيتًا وحاضنة.
معلمنا في النحت سلمان ملا “أبو حسين”، ورفاقه العظماء، نحن نشتاق إلى زمنكم. نشتاق إلى ذلك الحبل المتين الذي جمعنا، إلى دفء المهرجانات، إلى لحظات الحوار والشجن، إلى مدرسة الفن التي كانت بيتًا لنا جميعًا.
أصدقائي، معلميّ، رفاقي: سامحونا. سامحونا إن قصّرنا بحقكم، وإن تركنا الزمن يبعدنا عنكم. فأنتم الأصل، وأنتم البذرة التي أنبتت فينا كل ما نحن عليه.
رانية عقل

