خواطر وقصص من ابداعات رانية مرجية
تاريخ النشر: 30/09/25 | 23:32
الموت الأخير
في بيتٍ قديم تتدلّى جدرانه من ثِقل الأسرار، جلست ليلى أمام المرآة، تنظر إلى عينيها اللتين صارتا أوسع من وحدتها. كل التجاعيد التي زحفت إلى وجهها لم تكن سوى ندوب صامتة من انتظار طويل، انتظار أبٍ غاب فجأة، تاركاً وراءه أبواباً موصدة وطفلة لم تكبر من الداخل قط.
الحي كلّه كان يعرف قصتها. يتحدثون عن والدها الذي مات شاباً، عن جنازة لم يحضرها إلا القليل، وعن طفلة وقفت حائرة تلوّح بيدها للنعش كأنها تستجديه أن يبقى. تلك الطفلة كبرت، لكن الغياب ظلّ يكبر معها.
ليلة البارحة جاءها في الحلم. لم يكن وجهه كما تتذكره: بدا أكبر، متعباً، لكنه حيّ. قال لها بصوت غريب:
“اقتربي يا ليلى… لم يحن الموت الأخير بعد.”
استيقظت والعرق يغمرها، تحاول أن تميّز بين الحلم والوهم. لكن القدر لم يمهلها كثيراً. مع حلول المساء، زارتها صديقتها القديمة مريم بعد غياب سنوات. بدت مريم كمن يحمل جرحاً لا يخصه، لكنها مُلزمة بكشفه.
جلستا متقابلتين، والريح تعصف بالنافذة. أخيراً تجرّأت مريم وقالت:
“ليلى… والدك لم يمت كما قيل. لقد هرب. ترككم ومضى ليبني حياة أخرى. عشته هناك، في مدينة بعيدة، كان زوجاً لرجلٍ آخر وأباً لأولادٍ غيرك.”
تساقطت الكلمات في أذن ليلى كالسكاكين. لم يكن موت أبيها موتاً، بل كان موتاً مؤجلاً للحقيقة.
ارتجفت يداها وهي تحاول أن تستوعب. كل سنوات الحداد، كل الدموع، كل الحديث مع قبرٍ فارغ… كان وهماً كبيراً.
لكن القصة لم تنتهِ هنا. بعد أيام قليلة، جاءها طرد بالبريد. كان صندوقاً خشبياً قديماً يحمل اسم أبيها. فتحته بيد مرتجفة، فوجدت داخله رسائل بخط يده، كتبها لها ولم يرسلها أبداً. في كل رسالة كان يعتذر، يبرر، يبرر أكثر، ويطلب الغفران.
قرأت رسالة بعد أخرى، حتى خارت قواها. حين وصلت إلى الرسالة الأخيرة، كانت الصدمة القاتلة:
“اعلمي يا ليلى، أنني اخترت موتي بنفسي، واخترت أن يعرفكم العالم موتى أيضاً… لأن الحقيقة أقسى من أي قبر.”
تساقطت الورقة من يدها، وفي لحظة صمتٍ مطبق، توقف قلبها.
الموت الأخير لم يكن موت والدها… كان موتها هي حين اكتشفت أنها لم تعش سوى داخل كذبة مُحكمة
———————-
قوّةُ الرخاوة في مواجهة العالَم الشَّرِس
قراءة نقديّة في قصيدة «وصيّة» لنبيل طنّوس
⸻
مدخل: وصيّة شعرية تتجاوز حدود الأبوة
تستند قصيدة «وصيّة» لنبيل طنّوس إلى بنية الوصيّة بوصفها خطابًا إنسانيًّا موجّهًا من مُجرِّب إلى مُتلقٍّ ناشئ. في ظاهر النص، يخاطب الأبُ ابنه، لكنّ الاستدعاء يتجاوز حدود العلاقة العائلية ليصبح خطابًا أخلاقيًّا مفتوحًا على كل قارئ، كأنّ الشاعر يحوّل التجربة الشخصية إلى ميراث إنسانيّ جامع.
⸻
بنية الحِجاج: من توصيف القسوة إلى اقتراح اللين
يبني الشاعر خطابه على مسار ثلاثيّ:
1. العالَم قاسٍ: “شرس، صعب المراس، غليظ القلب”.
2. الوصيّة: “كُن حسن الخلق، رزينًا” لتجعل الطريق هيِّنًا يسيرًا.
3. المثال الطبيعي: الأرض الرخوة خصبة مثمرة، بينما الصلبة قاحلة وعقيمة.
بهذا، يقدّم النص حجّةً متكاملة: مقاومة القسوة لا تكون بالتشابه معها، بل بالانفتاح والرزانة.
⸻
جمالية التضادّ: قسوةٌ مقابل لين
يشتغل النص على ثنائية واضحة:
• القسوة/العُسر: شرس، صعب، صلبة، قاحلة.
• اللّين/اليُسر: رزين، هيّن، يسير، رخوة، مثمرة.
هذا التضادّ يُنتج رؤية فلسفية: ما يبدو هشاشةً (الرخاوة) هو عين القوّة لأنّه مصدر العطاء. إنّه انقلاب في القيمة، حيث يُعاد تعريف القوّة بالمرونة لا بالصلابة.
⸻
الصور الشعرية: الأرض والشجرة
تأتي الاستعارات من الطبيعة القريبة:
• الأرض الرخوة: رمزٌ للاستعداد للتلقّي والإنبات.
• الأرض الصلبة: استعارة للانغلاق والعقم.
• الشجرة المثمرة: صورة إنسان معطاء يقصده الجميع.
هذه الصور البسيطة تجعل النص قريبًا من المتلقي، لكنها في الوقت ذاته عميقة، لأنّها تنقل الفلسفة الأخلاقية إلى مستوى محسوس يعيشه القارئ في يومه.
⸻
بلاغة الإيقاع والصوت
اختيارات الألفاظ ليست بريئة: الحروف الصلبة في “شرس، صعب، صلبة، قاحلة” تُحاكي خشونة الواقع، فيما الأصوات الرخوة في “رخوة، يسير، مثمرة” تمنح جرَسًا ليّنًا ينسجم مع معنى السهولة. هذه «المحاكاة الصوتية» تضيف بعدًا موسيقيًّا يرسّخ المعنى في وجدان القارئ.
⸻
البعد القيمي: من الذات إلى الجماعة
“افتح صدرك وأعطِ من ثمارك” جملة تختزل الرسالة الأخلاقية للقصيدة. فالمُوصى له لا يُطلب منه أن يحمي نفسه فحسب، بل أن يتحوّل إلى مصدر خير للآخرين. هنا نلمس انتقالًا من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق الاجتماعية، حيث يصبح العطاء شرطًا لبناء مجتمع إنسانيّ أرحب.
⸻
أفق تأويلي: اللين كقوة وجودية
ينفتح النص على تراث الحكمة الإنسانية، من أقوال الفلاسفة القدامى عن الاعتدال، إلى الروحانيات الدينية التي تمجّد الشجرة الطيبة والثمار الطاهرة. غير أنّ طنّوس لا يقع في المباشرة الوعظية؛ إذ يحافظ على طابع الشعر عبر الصورة والرمز، ويترك الباب مفتوحًا للتأويل الشخصي.
⸻
خاتمة
قصيدة «وصيّة» قصيرة في مبناها، عميقة في معناها، تُعيد الاعتبار لفكرة أن الرخاوة ليست ضعفًا، بل خصوبة وقدرة على العطاء. في زمن يعلو فيه صوت العنف، يقدّم لنا طنّوس بلاغةً بديلة: قوّةُ اللين في مواجهة القسوة. لذلك، فهي نصٌّ يليق بصفحات جريدة المثقف، حيث يلتقي الشعر بالرسالة الأخلاقية، ويُترجم التجربة الفردية إلى دعوة إنسانية شاملة.

