ليلى… طفلة تتسع لظلّ العاصفة ونور الأمل

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 28/09/25 | 13:19

ليلى طفلة في التاسعة، وجهها لوحة من ضوء، وعيناها نافذتان على عالم أكبر من عمرها. تحمل في يدها علبة ألوان، وفي الأخرى أحلامًا لا تنتهي. لكن في أعماقها، هناك ظلّ ثقيل يسكنها: نوبات الصرع التي تأتيها فجأة، كعاصفة تعصف بزهرة غضّة في حديقة ربيع.

حين ينطفئ الجسد

في ساحة المدرسة، حيث الضحكات تتناثر كالعصافير، شعرت ليلى بوميض داخلي يشق رأسها. الأرض اهتزت تحت قدميها، وسقطت كحبة مطر وحيدة على أرضٍ صلبة. جسدها ارتجف، يداها انكمشتا، وصديقاتها تجمدن بين خوفٍ ودهشة.

بعد دقائق، فتحت عينيها وقالت بصوت متعب:

“أنا بخير… فقط احتجت إلى بعض الراحة.”

لكنها كانت تعلم في سرها أن ما يسكنها ليس مجرد تعب. كان خوفًا صامتًا يرافقها: متى ستأتي العاصفة من جديد؟

أم تحرس الحلم بالدمع والحنان

في الليل، حين ينام الجميع، كانت الأم تجلس قرب سريرها، تراقب أنفاسها، وتخشى أن تباغتها النوبة وهي في الحلم. كثيرًا ما بكت في صمت، ثم مسحت دموعها سريعًا، حتى لا يراها أحد.

كانت تقول لابنتها:

“النوبة مثل زائر غير مدعو، يطرق الباب ويجلس قليلاً ثم يرحل. ونحن ننتظر رحيله بالحب.”

لقد حولت الأم الصرع من فزع مجهول إلى حكاية يمكن احتمالها، وزرعت في قلب طفلتها أن المرض ليس قدرًا أسود، بل امتحان للحب والصبر.

حين يكون الجهل أشد قسوة من المرض

الأصعب من النوبات كان الجدار غير المرئي الذي يحيط بها: نظرات الخوف، أصابع الإشارة، الكلمات التي تُقال همسًا. أطفال يبتعدون عنها خشية أن “تسقط فجأة”، وكبار يرمقونها كأنها مختلفة، ناقصة.

لكن ليلى قررت أن تُقاوم. طلبت من معلمتها أن تسمح لها بالحديث أمام الصف.

رسمت على السبورة دماغًا صغيرًا تتطاير منه شرارات، وقالت:

“أحيانًا يرسل دماغي إشارات كثيرة جدًا… مثل الألعاب النارية. لكنها لا تُفرحني، بل تُتعبني. حينها، كل ما أحتاجه هو بعض الهدوء… وبعدها أعود كما أنا.”

ساد صمت طويل، ثم انطلقت الابتسامات. اقترب الأطفال منها واحدًا تلو الآخر. منذ ذلك اليوم، لم تعد غريبة.

الألوان التي تُحاور العتمة

لوحات ليلى لم تكن طفولية عابرة. كانت حوارات بين النور والظلام. ترسم جسورًا ملونة تعبر بحيرات سوداء، ودوائر من الضوء تتوسط عتمة كثيفة.

في إحدى زوايا لوحاتها كتبت بخط صغير:

“أنا لست مرضي. أنا رسامة. أريد أن أملأ جدران العالم باللون.”

هكذا أعلنت الطفلة أن الصرع يستطيع أن يُربك جسدها، لكنه لا يملك أن يكسر روحها.

أبعد من الحكاية الفردية

قصة ليلى ليست استثناءً. إنها انعكاس لملايين الوجوه حول العالم، تعيش مع الصرع في صمت. تقول الإحصاءات إن خمسين مليون إنسان يشاركونها هذا الطريق، لكن القسوة الكبرى ليست في المرض، بل في الوصمة.

الصرع لا يقتل، لكن الجهل قد يقتل الأمل.

خاتمة: طفلة تُعلّم الكبار

حين تنظر إلى عيني ليلى، ترى طفلة تعرف أن الحياة قد تُهشم الجسد، لكنها لا تستطيع أن تُطفئ الحلم.

قصة ليلى ليست عن مرض، بل عن شجاعة. ليست عن عجز، بل عن قوة. ليست عن سقوط، بل عن نهوض متكرر.

إنها رسالة لنا جميعًا: البطولة ليست أن نعيش بلا وجع، بل أن نرسم بألواننا ضوءًا يبدد العتمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة