خواطر وابداعات بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 12/09/25 | 11:17

المنافقون

المشهد الأول: قدوم المتلونين

في وادٍ فسيحٍ بين جبال شاهقة، قامت مدينة تُدعى “النور”. كان أهلها يعيشون بسلام، يجتمعون في الساحات عند الغروب ليتبادلوا الخبز والحكايات، وكانت كلمة الواحد منهم بمثابة عهدٍ لا ينكسر.

لكن ذات يوم، دخل على المدينة قومٌ جدد. لم يحملوا سيوفًا ولا أسلحة، بل جاءوا بوجوهٍ بشوشة وكلماتٍ ملساء. قالوا إنهم أحباب، وإنهم يريدون الخير للجميع. رحّب بهم أهل المدينة ببساطة قلوبهم، فلم يعرفوا أن هؤلاء ليسوا أصدقاء ولا أعداء… بل منافقون.

المشهد الثاني: لعبة الأقنعة

كان المنافقون يشبهون الماء، يتخذون شكل الإناء الذي يوضعون فيه. أمام القويّ تذلّلوا، وأمام الضعيف تودّدوا. لم يكن لهم لون ثابت ولا رأي راسخ، بل كانوا يغيّرون مواقفهم كما يغيّر الليل ثوبه عند الفجر.

في مجالس الحكم، مدحوا الحاكم حتى ظنّ نفسه عادلًا. وفي مجالس العامة، انتقدوا الظلم حتى حسبهم الناس أنبياء. وإذا ما اجتمع الحاكم والعامة، صمتوا صمتًا يُشبه الحكمة، لكنه لم يكن سوى خوفٍ يُخفي خيانة.

لم يضرب المنافقون حجرًا واحدًا في أسوار المدينة، لكنهم هدموا شيئًا أعمق: الثقة. زرعوا بين الإخوة الشكوك، وبثّوا بين الجيران الغيرة، حتى صارت المدينة التي كانت موحّدة كالجسد، متفرقة كالأشلاء.

المشهد الثالث: العاصفة الكبرى

وفي ليلةٍ داكنة، هبّت على المدينة عاصفة لم يشهد مثلها أحد. الريح اقتلعت الأبواب، والمطر أغرق الشوارع، والجميع هرع إلى الساحة الكبرى طلبًا للنجاة. هناك، كان لا بد أن يظهر كل امرئ على حقيقته.

الصادقون وقفوا متكاتفين، يحملون بعضهم بعضًا، يقاتلون العاصفة بأذرعٍ مفتوحة وقلوبٍ لا تخاف. أما المنافقون، فقد ارتبكوا، تبدلت وجوههم كما تتبدل المرايا في الظلام. كل واحدٍ منهم حاول أن يُرضي الجميع فلم يُرضِ أحدًا. سقطت الأقنعة، فإذا وجوه خاوية، وعيون زائغة، وكلمات كالرماد في مهب الريح.

عندها أدرك أهل المدينة أن الخطر لم يكن في العاصفة، بل في المنافقين الذين أضعفوا الروح قبل أن يضعف الجسد. فالعاصفة تمرّ، لكن أثر النفاق يبقى إن لم يُطرد من الجذور.

الخاتمة: الحكمة الباقية

منذ تلك الليلة، علّم أهل “النور” أبناءهم أن أشد الأعداء ليس من يأتي بوجهٍ مكشوف، بل من يلبس ألف قناع. وأن النفاق ليس مجرد كذب، بل خيانة بطيئة للروح، وهدمٌ صامت لأساس المجتمع.

فالحياة تحت سيفٍ عادل أهون من الحياة تحت ابتسامةٍ كاذبة. والمدينة التي تحرسها قلوب صادقة، لا تهزمها عواصف الأرض ولا جيوش السماء.

——————————–

المرآة الأخيرة

في مدينةٍ مغمورة بالضجيج، كان الناس يركضون كأنهم يهربون من أنفسهم. في وسطها، عاشت امرأة لم يكن لها بيتٌ ثابت ولا اسم معروف. أطلقوا عليها ألقابًا كثيرة: “الغريبة”، “المجنونة”، و”الساحرة”. لكنها لم تجادل يومًا، بل كانت تحمل على ظهرها مرآة مغطاة بقماش أبيض.

لم تكن تبيعها، ولم تسمح لأحد بلمسها. كل ما فعلته هو أن تجلس في الساحات، وحين يقترب منها شخص يائس أو غاضب، ترفع الغطاء ببطء وتضع المرآة أمامه.

ولم يكن أحد يرى صورته كما اعتاد، بل كان يرى ما يخفيه قلبه: جرحه القديم، حلمه المجهض، أو ذنبه الذي لم يغفره بعد.

في البداية، ارتعب الناس. قالوا:

— “إنها ساحرة تكشف الأسرار، لا بد من نفيها!”

لكن الغريبة كانت تبتسم وتهمس:

“أنا لا أكشف شيئًا، المرآة وحدها تنطق. أنتم أنكرتم أنفسكم، وأنا فقط أعيدكم إليها.”

ذات ليلة، اجتمع زعماء المدينة وقرروا كسر المرآة. حين اقتربوا منها، وقفت المرأة وقالت:

— “هذه ليست مرآتي. إنها آخر مرآة خلقها الله للإنسان، إن حطمتوها فلن يبقى لكم سوى الركض وراء صوركم المزيفة.”

رفعوا العصيّ وحطّموا المرآة. لكنها لم تنكسر. بل تفجرت نورًا ملأ الساحة. وحين انقشع الضوء، لم يجدوا المرأة. بقي القماش الأبيض على الأرض، وبقيت المدينة كلها ترى نفسها مكشوفة، بلا أقنعة.

منذ ذلك الحين، صارت تُروى الحكاية عن “الساحرة التي حملت المرآة الأخيرة”، لا كخرافة بل كوصية:

“أن تعرف نفسك، هو أعظم أنواع السحر. وأن ترى الآخر بصدق، هو أقدس المرايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة