ابداعات بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 04/09/25 | 10:52
بين الجنون والعبقرية: الشعر على حافة الهاوية
حين أكتب عن الشعر، أشعر أنني أتمشى على حافة هاوية، بين جنون يفتح لي الأبواب على مصاريعها، وعبقرية تضع لي إشارات الطريق كي لا أسقط. الشعر عندي ليس ترفًا لغويًا ولا تزيينًا للورق، بل هو لحظة مسّ، حالة خروج من العادي والمألوف، ليولد معنى جديد، يربكنا ويوقظنا في الوقت نفسه.
الشعر كجنون جميل
منذ الطفولة، كنت أسمع أن الشعراء “مجانين”. ربما كانوا على حق. فالشاعر لا يرضى أن يعيش داخل حدود الواقع الضيقة. إنه يهرب إلى الخيال، إلى اللامعقول، إلى ما وراء الممكن. يكتب كي يحرر نفسه من قيود الرتابة، وكي يقول للزمن: لستَ سيدنا المطلق. ذلك الجنون ليس مرضًا، بل هو الشجاعة في أن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تقول ما يخاف الجميع من قوله.
العبقرية: هندسة الفوضى
لكن الجنون وحده لا يكفي. ما يجعل الشاعر شاعرًا، وما يحوّل الصرخة إلى قصيدة، هو تلك القدرة العبقرية على ترتيب الفوضى. العبقرية هي أن تمسك بالنار المشتعلة في داخلك، وتسكبها في قوالب إيقاعية ومعانٍ تظل حيّة بعدك. هي أن تصنع من الهذيان موسيقى، ومن الوجع لوحة، ومن الصرخة صلاة.
الشعر كمسافة بين ضدّين
الجنون يمنح الشاعر جناحين، والعبقرية تمنحه البوصلة. الأول يرفعه عاليًا، والثانية تمنع سقوطه في هاوية العبث. ومن هنا تتولد المعجزة: نصوص تعيش لأنها لم تُكتب بالعقل وحده، ولا بالجنون وحده، بل بذلك التوتر الخلّاق بين الاثنين.
شواهد قريبة وبعيدة
المتنبي الذي قال “إذا غامرتَ في شرفٍ مروم”، كان مجنونًا في كبريائه، عبقريًا في لغته.
بودلير، في “أزهار الشر”، جعل من انكساراته النفسية شعرًا يقاوم الموت.
محمود درويش، بشغف الوطن، حوّل الجنون الفلسطيني إلى عبقرية عالمية، فصار صوته صوتنا جميعًا.
توقيع شعري
بينَ جنونٍ يفتحُ نوافذَ القلب،
وعبقريةٍ تلمُّ شظايا الروح،
أكتبُ…
لا لأنّ الشعرَ قدرٌ،
بل لأنّهُ النجاةُ الوحيدةُ
من موتٍ يلبسُ قناعَ العقل.
=============================
الدواعش… حين يتحول الدين إلى أداة موت
مدخل: السؤال عن الجرح المفتوح
كلما أُعيد طرح كلمة داعش على السمع، يهبّ في داخلي شعور مزدوج: الاشمئزاز من فظاعة ما ارتكبوه، والحزن على صورة الدين التي شُوّهت بأيديهم. فـ”الدواعش” ليسوا مجرد تنظيم مسلّح ظهر في بقعة جغرافية محددة، بل هم تجلٍّ لمرضٍ أعمق: حين يُختطف الإيمان من رحم الرحمة، ويُحوَّل إلى آلة قتل، وحين يصبح النص المقدّس قناعًا يُغطّي وجوه العنف والكراهية.
⸻
الإرهاب كفكرة قبل أن يكون تنظيمًا
داعش لم تكن حادثًا طارئًا فقط، بل هي نتيجة تراكمات طويلة: فقر، قمع سياسي، تهميش اجتماعي، وإغلاق باب الاجتهاد. من رحم هذه التربة الموبوءة خرجت فكرة متطرفة تستند إلى قراءة انتقائية للنصوص، وتحرفها لتصير دينًا للموت. داعش ليست “إسلامًا”، كما أرادوا تصويرها، بل خروج كامل على روح الإسلام التي بُنيت على كلمة “السلام”.
⸻
الدواعش والمرأة: الجسد كغنيمة
من أكثر ما فضح حقيقة هذا الفكر هو موقفهم من المرأة. فقد حوّلوها إلى سلعة، “سبيًا”، أو أداة لإشباع الغرائز تحت غطاء ديني مزيف. في هذا السلوك يتجلى الانحطاط: فمن يعجز عن رؤية المرأة إنسانة كاملة، يعجز عن رؤية الإنسان عمومًا. داعش قتلت المرأة مرتين: مرة حين اختزلتها في الجسد، ومرة حين حرمتها من إنسانيتها.
⸻
اغتيال الطفولة والحياة
لا يمكن أن ننسى صور الأطفال الذين جُنّدوا، وغُسلت أدمغتهم، ودُفعوا ليحملوا السلاح بدل الأقلام. داعش لم تقتل الأحياء فقط، بل قتلت مستقبل أجيال كاملة. المدارس التي أُحرقت، المكتبات التي هُدمت، التماثيل والآثار التي حُطّمت، كلها شواهد على عداء هذا الفكر للحياة، للفن، وللجمال.
⸻
الإعلام والرهبة: الوجه الآخر للسلاح
داعش عرفت كيف تستخدم الإعلام كسلاح موازٍ للبندقية. مقاطع الذبح والحرق لم تكن رسائل إلى الضحايا بقدر ما كانت رسائل إلى العالم: نحن نملك القدرة على الرعب. وهنا تكمن خطورة التنظيم: لم يكن جيشًا تقليديًا، بل مسرحًا للرعب العالمي.
⸻
الدواعش بين الأمس واليوم
رغم هزيمة داعش عسكريًا في أكثر من موقع، فإن الفكر الذي أنجبها لم يُهزم بعد. فالأرضية التي تُنتج “داعش” ما زالت موجودة: البطالة، القهر، الطائفية، غياب العدالة الاجتماعية. ما لم تُعالَج هذه الجذور، سيولد “داعش” جديد بأسماء مختلفة.
⸻
خاتمة: مقاومة بالفكر قبل البندقية
مواجهة داعش ليست معركة عسكرية فقط، بل معركة فكرية وإنسانية بالدرجة الأولى. علينا أن نستعيد الدين من أيدي المتطرفين، وأن نعيد للإنسان حقه في الحياة والكرامة. داعش ليست قدرًا، بل جرحًا في جسد الأمة، شفاءه يبدأ من مواجهة ذواتنا: كيف نسمح للظلام أن يتلبّسنا باسم الله؟
إن الكتابة عن “داعش” ليست استذكارًا للموت فقط، بل صرخة للحياة، لئلا يتكرر المشهد

