أمّي نورة رحمها الله: كلمة وفاء لا تفي!- الكبسولة 31
بروفيسور إبراهيم طه
تاريخ النشر: 27/08/25 | 9:01
طوبى لذاك الجيل الجميل من النساء الثابتات الصابرات المرابطات! طوبى لذاك الجيل الأصيل من النساء الكادحات المكافحات المكابدات!
أمّي اسمها نورة بنت علي الصالح وحِسِن الذيب. في مثل هذا اليوم بالضبط، قبل واحدٍ وعشرين عامًا، فارقت الروح أمّي وعادت بأمر ربّها إلى باريها. وقبلها بثمانية وعشرين عامًا غادرنا أبي وانسحب. فاجأنا ورحل. وحين رحل كان في الرابعة والأربعين وأمّي في الثامنة والثلاثين، انسحب وترك فوق ظهرها الغضّ سبعة من الأولاد والبنات في عمر النبات. فاجأها الموت وأضنى روحها وأرهقها وأرهقنا. ثقل حملها، وظلّ يثقل حتى مال، لكنها عدّلته وواصلت حمله بصبرٍ جميلٍ وجَلَد. حزن قلبُها ودمعت عينُها لكنها لم تترنّح ولم تفزع ولم تغفل عنّا ولم تذهل. حملت الهمّ أمّي وتحمّلت ما لم تتحمّله أمٌّ من جيلها. عرفتْ أنّ الدنيا لا تنقاد لأحد إلا بالكَبَد، ولا تنفرج إلا بالجَلَد. عرفت وعرّفتنا. كابدت الحياة أمّي وجالدت. ثبتت وجاهدت وربّت أولادها وبناتها فأحسنت. وتركت فينا ما إن حفظناه أتى بما لا يقدر عليه مالٌ ولا أرضٌ ولا رزق. علّمتنا أنّ اللقمة التي في فمك لك ولأخيك. اللقمة التي تجاهد من أجلها بعرقك لك ولأخيك… وإنّا لما تركتِ فينا يا أمّاه لحافظون!
كان عندنا كرمٌ كبيرٌ من الزيتون وكرمٌ من العنب والتين ترعاهما أمّي بصبرٍ لا يلين، و”سهليّة” تزرع فيها بيديها الخضراوين البامية والبندورة والخيار والباذنجان والعدس والسمسم والحمّص والفول… كانت الفِلاحة الشتويّة والصيفيّة في ذاك الوقت صعبة شاقّة تهدّ الحيل وتُنهك القلوب التي في الصدور. يبدأ نهارها من الفجر ولا ينتهي حتى تأخذ الشمس أبعاضها وتنسحب. تظلّ كالنحلة تلوب. “تحوّش” التين و”تقطع” العنب البلدي وتلمّ “الزتونات”. تملأ أربع سلّات قُرْطَلّات من القشّ بالبامية أو العنب أو التين. وكلّ قُرْطَلّة تغطّيها أمّي بأوراق الدوالي. محمّد أخي الأكبر مني يحمل اثنتين وأنا اثنتين. نركب باص السابعة صباحًا إلى عكّا. نقف أول السوق القديم ونبيع ما في القرطلّات. وعند الظهر نعود فرحين مبتهجين بالنعمة. هكذا كان صيفنا. يوم للبامية ويوم للعنب ويوم للتين. في كلّ مرّة أربع قرطلّات مغطّاة بورق الدوالي، وعند مدخل السوق القديم في عكّا نقف ونبيع. كنّا ما زلنا بعمر نبتات البامية التي تزرعها أمّي. أمّي تنكش وتعشّب وتزرع وتقصّ وتقلع وتحوّش وتلمّ وأنا وأخي نبيع. وأمّي أيضًا كانت تبيع العنب طازجًا في كرمنا العامر بميزان “شقلة” عتيق. بعد العصر تأتي النساء والبنات من الحارات القريبة يحملن السلال في أكواعهنّ، يأتين فرادى وجماعات. كان عنبنا بلديًّا أصفر مثل الذهب، والقطف كيلو. تقطع أمّي وتبيع. وما تبيعه تجمعه وتحفظه لفصلٍ لا تجارة فيه ولا بيع.
ونكبر أمام عينيها الرحيمتين ويكبر همّنا ولا تملك إلا أمومتها. كنّا نراها متعبة متهالكة، فنحن سبعة. ولا يكسر الظهر إلا “الضنى”. أتعبت قلبَها الأمومةُ الفطريّةُ النقيّةُ الطاهرة. وحين كنّا نناديها كانت تردّ: “نعم، يا تقبرني!” لا يصدر هذا الردّ “الأموميّ” العجائبيّ إلا عن أمومة مزروعة في خلايا اللحم والعظم، في القلب والشرايين والعروق… طوبى لك يا حاجّة أمّ محمّد! لروحك السلام والسكينة!
طوبى لذاك الجيل الأصيل من النساء الكادحات المكافحات المكابدات! طوبى لذاك الجيل الجميل من النساء الثابتات الصابرات المرابطات!


رحمة الباري الوايعة للأمّ نورة التي أحسنت
تربية الأبناء ليكونوا عصاميين مكافحين
ومثابرين ومحصّنين بالقيم الخيّرة.