ابداعات بقلم: رانية مرجية
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 27/08/25 | 13:12
هلوسة
أفتحُ عينيّ، لكنّي لا أرى. لا لأن الظلام يبتلعني، بل لأن الضوء نفسه أصبح عدوّي.
الجدران تتنفس. نعم، الجدران تتنفس. تمدّ صدورًا حجرية، وتزفر غبارًا أبيض يملأ رئتيّ، فأضحك… أضحك حتى أختنق.
هناك امرأة بلا وجه تجلس على طرف السرير.
تغزل من شعري خيوطًا وتعلّقها على السقف. كل شعرة تتحوّل إلى صرخة، وكل صرخة تتحوّل إلى طائر أسود يحوم فوقي.
أسألها: “من أنتِ؟”
فتكتب على الهواء: أنا الهلوسة التي ولدت منكِ.
الأرض تميد. البلاط يتفتّت إلى مرايا، وفي كل مرآة أرى نسخة مشوّهة مني: واحدة بأسنان ذئب، أخرى بلا عيون، ثالثة تضحك بقهقهة لا تنتهي.
أركض بين المرايا، أرتطم بوجهي في زجاجها، لكنني لا أنزف دمًا… بل يخرج من وجهي حبر.
الحبر ينسكب على الأرض، ويكتب وحده: “أنتِ محبوسة في نصّ لم تكتبيه.”
أصرخ: “أريد أن أستيقظ!”
فتردّ الأصوات من كل الجهات: وهلوسة كهذه تُوقَظ؟ إنها تعيش بكِ ولأجلكِ.
أرى بابًا يتدلّى من السقف. أصعد سلّمًا لم يكن هناك قبل لحظة. أفتح الباب…
ورأيتني.
نعم، أنا هناك، جالسة تكتب هذه القصة الآن. وجهي هادئ، يدي ترتجف، لكن الكلمات تنهمر بلا توقف.
أصرخ لها: “توقّفي! لا تكتبي أكثر، كل كلمة تحبسني أعمق!”
ترفع رأسها إليّ، تبتسم ابتسامة مكسورة، وتقول:
“إن توقّفت، ستختفين. أنتِ لستِ سوى الهلوسة التي كتبتُها.”
وأنا…
أضحك.
أضحك بجنون.
لأنني أخيرًا عرفت الحقيقة: أنا وهم يكتب وهمًا آخر، ولن يكون هناك يقظة أبدًا
————————
هلوسة الجنة
أغمضتُ عيني فوجدتني في حديقة لا تشبه أي أرضٍ عرفتها.
الأشجار لم تكن خضراء… كانت من نور.
أغصانها تتدلّى كأنها أوتار عودٍ تعزف من تلقاء نفسها لحنًا لم يُسمع من قبل.
الأنهار تجري بلا ماء، بل بضحكات أطفال، كل موجة قهقهة، كل شلال نغمة.
أما الزهور، فكانت تفتح بتلاتها لتكشف وجوه أحبّتي الذين رحلوا، يبتسمون ويقولون:
ـ “لم نغادر، كنا ننتظرك هنا.”
رأيت أبي يجلس تحت شجرة رمان، يقطف منها حباتٍ تضيء كنجوم صغيرة.
أمي خبزت لي رغيفًا من نور، ناولتني إياه وقالت:
ـ “كلي، هذا خبزك الحقيقي، بلا جوع ولا وجع.”
اقترب مني ملاك لا أرى له وجهًا، فقط جناحين يغطيان الأفق.
همس:
ـ “هذه ليست جنة النهاية… هذه جنة البدايات. كل حلم صدّقته، كل دمعة سامحتها، كل حبّ لم يفسد… هنا يتحوّل إلى بيت.”
مشيتُ في الدرب، وكل خطوة أنبتت وراء قدميّ وردة.
ضحكتُ… لكن ضحكتي لم تعد لي وحدي.
انتشرت في السماء، تفتّتت إلى طيور بيضاء، حملت أمنيتي الوحيدة:
أن يبقى هذا النور في داخلي، حتى لو عدتُ إلى العتمة.
——————————–
هلوسة القيامة
استيقظتُ على زلزالٍ في صدري قبل أن يهتزّ التراب.
فتحت النافذة… فإذا بالسماء تتشقق، تنفرط منها نجوم حمراء كدموعٍ ساخنة.
الأرض من تحتي تتلوّى كحيةٍ عجوز، تنفض عن ظهرها المدن والمقابر، وتصرخ صرخة لا يسمعها إلا من مات من قبل.
الأشجار تهتزّ، جذوعها تفتح أفواهًا وتقول:
ـ “كنا نظن أننا صامتات… فإذا بنا شهود على كل همسةٍ وصرخة.”
والحجارة من حولي ترتجف وتردّد:
ـ “لم نكن جمادًا، كنا نحصي خطاكم.”
رأيت البحر يرتفع، ليس كموج، بل كجدارٍ من عيون، يحدّق في وجوهنا، يكشف ما أخفيناه في أعماقنا.
حتى الظلال خرجت من أجسادنا، وقفت أمامنا كقضاة، تضحك حين تكشف عوراتنا المخفية.
سمعت صوتًا، لم يأتِ من السماء ولا من الأرض… بل من داخلي:
ـ “قامت القيامة… لأنكِ لم تعودي تعرفين الفرق بين الحياة والموت.”
ارتجفت.
لم أرَ كائنًا عظيمًا بيدٍ من نار، ولا عرشًا يُنصب وسط الكون.
رأيت فقط نفسي تقف عارية أمام حقيقتها، بلا أقنعة، بلا هلوسات.
وعرفت أن القيامة ليست حدثًا ينتظرنا هناك…
إنها تبدأ هنا، في اللحظة التي نواجه فيها أرواحنا بلا هروب

