المجتمع الدولي والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي: حين يسقط الضمير وتُدار العدالة الانتقائية
بقلم: فخري هواش
تاريخ النشر: 22/08/25 | 14:29
في كل مرة تشتعل فيها نار العدوان على الشعب الفلسطيني، ينهض المجتمع الدولي من مقعد المتفرج، لا لينتصر للعدالة، بل ليعيد إنتاج خطاب مكرور: دعوات إلى “ضبط النفس”، ونداءات لوقف “العنف المتبادل”، وقلق على “الوضع الإنساني” في غزة، كما لو أن معاناة الفلسطينيين قدر طبيعي لا احتلال يقف خلفه، وكأن المجرم والمجني عليه يقفان على أرض أخلاقية واحدة.
أمريكا: حارس الاحتلال وشريك الجريمة
الولايات المتحدة، الدولة التي تقدم نفسها كراعية للقانون الدولي وحامية للحرّيات، تتخلى عن كل قيمها حين يتعلق الأمر بإسرائيل. من استخدام متكرر للفيتو في مجلس الأمن، إلى الدعم العسكري المفتوح، إلى حماية إسرائيل من أي مساءلة، تسير واشنطن في تحالف أعمى مع تل أبيب. ليس لأن إسرائيل على حق، بل لأنها تخدم مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. في هذا المنطق، لا مكان للعدالة، بل فقط لمعادلة الربح السياسي، وموازين القوى.
أوروبا: خطاب إنساني وسلوك انتهازي
أما الاتحاد الأوروبي، فيلعب دور “الوسيط العاقل”؛ يرفض الاستيطان في التصريحات، ويدعو لحل الدولتين، ثم يعقد الاتفاقات التجارية مع إسرائيل، ويغض الطرف عن جرائمها في القدس والضفة وغزة. تلتبس مواقفه بين الحذر الأخلاقي والتواطؤ السياسي، في مشهد من ازدواجية المعايير التي أصبحت سمة دبلوماسية ثابتة.
الأمم المتحدة: أرشيف الحقوق المنسية
لا أحد يملك كماً من القرارات الداعمة للحقوق الفلسطينية مثل الأمم المتحدة. لكنها في الواقع تبقى مجرد أوراق محفوظة في الأدراج. دون أدوات تنفيذ، ودون رغبة حقيقية من القوى الكبرى، يتحول دور المنظمة إلى سجل تاريخي لما كان يمكن أن يكون، لا ما يجب أن يُنجز. إنها تمارس دور الراصد العاجز، لا الحَكم العادل.
المعايير المزدوجة: فلسطين وأوكرانيا نموذجًا
حين اجتاحت روسيا أوكرانيا، تحرك العالم بأسره. تم تسليح الأوكرانيين، فرضت عقوبات على روسيا، وتم التعامل مع اللاجئين الأوكرانيين بكرم غير مسبوق. لكن حين تُدمّر غزة وتُقصف مخيمات اللاجئين في رفح، يكتفي العالم بـ”قلق عميق”. يُطلب من الفلسطيني أن “يعتدل”، بينما لا يُطلب من الاحتلال أن يتوقف. هذه المقارنة الفاضحة تفضح نفاقًا أخلاقيًا لا يمكن تبريره، ولا يمكن السكوت عنه بعد الآن.
الموقف العربي: من التضامن إلى الحياد المُخجل
أصبح الموقف العربي الرسمي أقرب إلى الحياد، بل في بعض الأحيان إلى الاصطفاف الضمني مع رواية الجلاد، بذريعة الواقعية السياسية أو الخوف من “الإرهاب”. هذه التحولات لا تسيء فقط إلى الفلسطينيين، بل تهدد البنية الأخلاقية والسياسية للأمن العربي ذاته. لأن التفريط بالقضية الفلسطينية يعني القبول بمنطق الغلبة لا بالحق، ويُضعف مكانة العرب أمام شعوبهم والعالم.
ضوء في العتمة:
الرأي العام العالمي يتحرك ورغم تواطؤ الدول، بدأت تتحرك ضمائر الشعوب في أنحاء متفرقة من العالم: حملات المقاطعة (BDS) تتوسع.
الشوارع والجامعات الغربية تشهد احتجاجات تضامنية غير مسبوقة. اعترافات متزايدة بالدولة الفلسطينية من قبل دول الجنوب العالمي.
وعي متنامٍ لدى الأجيال الجديدة بأن ما يجري ليس “نزاعًا”، بل احتلال عنصري استيطاني. الخاتمة: حين يسقط المجتمع الدولي في الاختبار الأخلاقي ما نراه اليوم ليس غيابًا للعدالة، بل إدارة متعمدة لغيابها.
المجتمع الدولي، كما نعرفه، لم يفشل فقط في حماية الفلسطينيين، بل فشل في حماية القيم التي يدّعي الدفاع عنها. لكن الحق لا يموت، والعدالة – وإن تأخرت – لا تُهزم. وما لا تقله الدول، ستقوله الشعوب. وما لا تصنعه السياسة، ستصنعه الإرادة. وستبقى فلسطين معيارًا أخلاقيًا لمن أراد أن يرى.

