خواطر وقصص بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 21/08/25 | 14:05

حين تتحوّل البلايا إلى مرايا للرجاء

كثيرة هي البلايا، نعم، وهذا ليس سرًا ولا انكسارًا في وجه الحياة. إنّها الحقيقة العارية التي يضعها سفر المزامير أمامنا، بجرأة لا تعرف المواربة. لكن، وأنا أستعيد هذه الكلمات، لا أقرأها كحكم قاسٍ يُسجن فيه الصديق، بل كقصيدة خلاص خفيّة، كجرس يذكّرني أنّ الألم ليس نهاية الطريق بل بدايته.

نحن لا نولد معصومين من الشقاء، بل لنتعلّم منه، لنتطهّر في نيرانه، ونكتشف أنّ وراء كل دمعة معنى أعمق، وأن وراء كل سقوط يدٌ غير منظورة تمتد لتنهض بنا. فالبلايا ليست عبثًا يطعن الذاكرة، بل مرايا تعكس هشاشتنا وقوتنا في آن.

الألم كحقيقة وجودية

أيّ صدق ينبت بلا جرح؟ أيّ روح تنضج بلا اختبار؟ إنّني أرى في البلاء مدرسة للروح، فيها يتعلّم القلب أن يثق بالله حين تتهاوى ركائز الأرض، وفيها تتجلّى لحظة العجز الكبرى التي تفتح أبواب الرجاء.
فالمزمور لا يقدّم عزاءً بارداً، بل يفتح أمامنا أفقاً مختلفاً: أن الألم ليس عقوبة، بل طريق. أنّه حوار صامت بين الإنسان وربّه، حيث تُختبر المحبة في أوج ضعفها، ويولد الإيمان في قلب الظلمة.

بين الرجاء والمعجزة

“كثيرة هي بلايا الصديق” ليست لعنة، بل إعلان أن الصديق لم يُعفَ من حمل الصليب. لكن الجملة التالية، “ومن جميعها ينجيه الرب”، تنقذ النص من قسوة العبث. ليست وعودًا مؤجلة في الآخرة فقط، بل هي خلاص يتكرّر في كل لحظة ننجو فيها من موتٍ داخلي، في كل مرة نغفر فيها بدلاً من أن نحقد، ونحب رغم الخيانة، ونبتسم في وجه جرح لم يلتئم بعد.

المعجزة الكبرى ليست أن تختفي البلايا، بل أن يتحوّل القلب الجريح إلى سفينة تواصل العبور رغم العاصفة. أن نكتشف أنّ الله لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى، ويحوّله إلى بذرة حياة جديدة.

رسالة إلى القلوب المتعبة

أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أنّ العالم ينهشه الخراب، وأن الحروب والخيبات تجعل النفوس مثقلة. لكنني أؤمن، رغم كل ذلك، أنّ الخلاص ليس وهمًا ولا حلمًا بعيدًا. فالله لا يعدنا بسماء من غير غيوم، بل يعلّمنا أن نكون نحن الغيمة الممطرة وسط القيظ، وأن نصير نحن الرجاء المتجسّد في قلوب من حولنا.

إنّ الآية ليست خبرًا عن الماضي، بل رسالة إلى حاضرنا: البلايا كثيرة، نعم، لكن الخلاص ممكن. والمعجزة تبدأ حين نجرؤ على أن نؤمن أنّ الرجاء أقوى من الموت.
————————————

حنّا مينه… القبطان الذي أبى أن يرسو

في كل ذكرى لرحيل حنّا مينه، نستعيد صورة رجل لم يكتب البحر فقط، بل كتب الوجع الإنساني بأمواجه المتلاطمة. البحر عنده لم يكن مجرد فضاءٍ روائي، بل قدرٌ وجودي، ومعركة يومية، وسؤال فلسفي مفتوح: هل يولد الإنسان ليصارع مصيره، أم ليكتشف ذاته في مواجهة هذا المصير؟

من الفقر إلى الرواية

ولد حنّا مينه عام 1924 في لواء إسكندرون، وعاش طفولة قاسية شديدة الفقر. لم يعرف الاستقرار، بل عرف التشرد، إذ تنقل مع عائلته من مكان إلى آخر بحثًا عن لقمة العيش. عمل صبيًّا في الحلاقة، حمّالاً في المرفأ، ومياومًا في المهن البسيطة، قبل أن يجد طريقه إلى الصحافة والأدب. كانت الحياة قاسية، لكن هذه القسوة هي التي صقلت روحه، وجعلت منه شاهدًا صادقًا على معاناة الفقراء والكادحين. لقد عاش ما كتبه، وكتب ما عاشه، لذلك كان نصّه صادقًا كالموج، نقيًا كدمعة البحّارة، حادًا كالملح على الجراح.

الأدب كموقف ورسالة

لم يكن الأدب عند حنّا مينه لعبة جمالية، بل رسالة أخلاقية وإنسانية. كان يؤمن أن الكاتب لا يحق له أن يقف على الرصيف متفرجًا، بل عليه أن يشارك في المعركة، أن يكون صوته صدى لأصوات المقهورين. ومن هنا جاءت شخصياته: عامل المرفأ، البحّار، المرأة المهمّشة، الفقير الذي لا يملك إلا صبره. منحهم البطولة التي حُرموا منها في الواقع، ورفعهم إلى مصاف الرموز الإنسانية.

الأثر في الرواية العربية

غيّر حنّا مينه وجه الرواية العربية. كان رائد الواقعية الاجتماعية التي لا تكتفي بوصف الظاهر، بل تغوص في عمق الإنسان، في آلامه وأحلامه. في المصابيح الزرق، والياطر، والشمس في يوم غائم، وغير ذلك من الأعمال، رسم صورًا حيّة لطبقات مسحوقة، وجعل من أدبه مرآةً للمجتمع العربي في لحظات انكساره ونهوضه. علّم الأجيال من بعده أن الرواية ليست حكاية وحسب، بل شهادة على العصر، وصوت من لا صوت لهم.

الفلسفة والوجود في نصوصه

وراء هذا الانشغال بالواقعية الاجتماعية، كان هناك بُعد فلسفي عميق. كل مواجهة مع البحر عنده هي مواجهة مع المصير، وكل صراع مع الموج هو صراع مع العبث الكوني. لكنه لم يكن عبثًا يفضي إلى العدم، بل إلى الرجاء. شخصياته تقاوم، وإن كانت تعلم أن السفينة قد تتحطم في أي لحظة. وهنا تكمن فلسفته: القيمة ليست في الوصول، بل في مواصلة المحاولة. الحرية ليست محطة، بل فعل مقاومة لا ينتهي.

رحيل لا يطفئ الحضور

رحل حنّا مينه عام 2018، بعد أن ملأ المكتبة العربية بروايات تفوق الأربعين، لكن حضوره لا ينطفئ. فهو حاضر في كل نص يكتب عن الإنسان البسيط، في كل قلم يحاول أن يكون صادقًا مع الفقراء، وفي كل قارئ يجد نفسه في مواجهة مع موجة لا ترحم. لقد علّمنا أن السفن قد تغرق، لكن القبطان الحقيقي هو الذي يظلّ متمسكًا بالرحلة حتى آخر نفس.

سلام عليك يا ابن المرفأ، يا من جعلت من الجوع ملحمة، ومن التعب بطولة، ومن البحر كتابًا لا يُطوى. سلام عليك أيها القبطان الذي أبى أن يرسو إلا في وجداننا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة