عدسة لا تُغمض عينيها

محمود ياسين

تاريخ النشر: 17/08/25 | 13:48

في غزة، لا تنطفئ النيران، ولا تتوقف السماء عن اسقاط القذائف.. وبين أنين الركام وصراخ الجرحى، يخرج الصحفي حاملاً كاميرته، كأنها درعه الوحيد في مواجهة عاصفة الموت. يمشي بين الشظايا، يلتقط اللحظة قبل أن تبتلعها النيران، يحاول إبقاء الحقيقة على قيد الحياة، لعلها تجد أذناً تصغي أو ضميراً يستيقظ.
لكن الحرب، لا تعرف الرحمة، لا تفرق بين مقاتل وطفل، ولا بين مراسل ومقاتل. القذائف لا تقرأ البطاقة الشخصية للضحية، تسقط في كل مكان دون تمييز.
الحرب لا تعترف بالصحفيين ولا تحترم الكاميرات، بل تغتالهم لمحاولة طمس الحقيقة، وخنق الصوت قبل أن يصل. لكن الحقيقة تبقى واضحة، فالصحفيون هناك يصرون على البقاء، يرفضون أن يعيشوا بلا صوت، يريدون أن يروا للعالم ما يحدث. تسقط الكاميرا من يد الصحفي لكنها تستمر في التقاط الصورة.. الدم يختلط بالغبار لكن الحقيقة تبقى واضحة.
فالصحفي هناك لا يقاتل بالسلاح، بل بالصدق، وهو يعلم أن الثمن قد يكون حياته، ومع ذلك يواصل، لأن الحقيقة بالنسبة له أسمى من الخوف، وأغلى من النجاة.
الصحفي الذي قُتل كان عيون الحقيقة، ومن أسكته أراد أن يطفئ النور ليبقى الظلام وحده سيد المشهد.
لكن الكلمات والصور تستمر في الخروج رغم كل شيء. فكل صحفي يسقط يأخذ معه جزءاً من القصة، لكن هناك دائماً من يتابع السرد، وكل كاميرا تتحطم، هناك عدسة جديدة تلتقط الحقيقة.
في غزة، يتوقف الزمن كثيراً عند لحظة موت، لكن الصورة تظل تمشي عبر العالم، كأنها قافلة من الشهداء الصامتين، تحكي أن الدم لا يمحوه النسيان، وأن الحقيقة، مهما طالت ليلتها، لا بد أن تشرق من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة