ابداعات….. بقلم رانية مرجية
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 14/08/25 | 9:51
حين مشت العكازات
لم تكن ليان تعرف أن صباحًا عاديًا يمكن أن يحمل انقلابًا في روحها.
كانت تخطو مسرعة نحو عملها، تتفادى برك المطر، وعيناها غارقتان في شاشة الهاتف، حين دوّى صوت ارتطام معدني بالأرض، أعقبه صرير عجلات. رفعت رأسها، فإذا بشاب على كرسي متحرك يحاول صعود منحدر صغير، فيما تناثرت أوراقه في الوحل، والمطر يلطّخ يديه وعجلاته.
انحنت تجمع الأوراق واحدة تلو الأخرى، ثم ناولته إياها بابتسامة. شكرها بصوت هادئ، غير أن عينيه كانتا تشعّان بوميض عناد لا تخطئه العين. جلست بجانبه على الرصيف وسألته إن كان يحتاج أن تدفع كرسيه. ابتسم قائلاً:
“لسنا بحاجة لمن يحملنا… فقط سيروا معنا، واجعلوا الطريق يسعنا كما يسعكم.”
كانت جملة قصيرة، لكنها اخترقت قلبها كالسهم، فصارت ترى ما كانت تغفل عنه: الأرصفة المكسورة، السلالم بلا منحدرات، الأبواب الضيقة التي تمنع مرور العكازات، والعيون التي تلتفت فضولاً أو شفقة.
بعد أسابيع، وفي ساحة عامة، سمعت صوته من جديد. كان وسط دائرة من الأطفال، يحكي لهم حكاية “عصفور مكسور الجناح” تعلّم الطيران بطريقة مختلفة. وحين انتهت القصة، ضجّت الساحة بتصفيق صغير أيقظ دفئًا في قلبها.
اقتربت منه، وقدّمت له كوب قهوة ساخن، وسألته إن كان يفكر بنشر قصصه. ابتسم قائلاً:
“هذه ليست قصتي، أنا أكتبها لصديق عاشها.”
وأشار بيده نحو طرف الساحة، حيث كان يقف رجل طويل القامة، أنيق، يستند إلى عكازين خشبيين، ووجهه مغطى بضمادة بيضاء على عين واحدة. اقترب الرجل بخطوات واثقة، وحين صار أمامها، قال بصوت متين:
“أنا العصفور الذي حدثك عنه… لكن جناحي لم يكن الجسد، بل كان الأمان. وحين فقدته، تعلمت الطيران من جديد.”
تجمدت ليان، فقد كان هذا الرجل والدها الذي اختفى منذ خمسة عشر عامًا، تاركًا وراءه طفلة تبحث عنه في ملامح الغرباء.
في تلك اللحظة، أدركت أن العكازات ليست حكرًا على من كسرتهم الحوادث، بل على كل من كسرتهم الحياة… وأن بعض الإعاقات لا تراها العيون حتى تكشفها الصدف
————————————————–
“فن الرفض… حين يكون قول لا أعلى درجات الحرية”
في زمن تتداخل فيه الضوضاء مع الحقيقة، ويصبح فيه البقاء في أي مساحة مرهونًا بقدرتك على المساومة على ذاتك، يكتسب قول “لا” بعدًا فلسفيًا ووجدانيًا يتجاوز حدود الموقف العابر. إن رفضك البقاء في مكان لا يحترم فكرك ولا يصون إنسانيتك ليس مجرد انسحاب، بل هو فعل وجودي يرسّخ هويتك ويؤكد أنك لست كائنًا يتشكل وفق مقاييس الآخرين، بل ذات حرة واعية تعرف قيمتها.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط اعتبر أن الكرامة ليست شيئًا يُمنح أو يُسلب، بل هي قيمة جوهرية في الإنسان، قائمة على احترامه لذاته أولًا. حين تقول “لا”، فأنت تمارس هذا الاحترام بأسمى أشكاله، وتعلن أن كينونتك لا تقبل المساومة. وهذا الموقف، وإن بدا للبعض خسارة آنية، فإنه في جوهره انتصار طويل الأمد، لأنه يحررك من العبودية الخفية التي يفرضها الخوف من الفقد أو الرفض الاجتماعي.
لقد اختبرت بنفسي أن البقاء في بيئة لا تُنصت لصوتك يشبه الغوص في ماء راكد؛ يبدو ساكنًا وآمنًا، لكنه يخنقك ببطء، ويقيد حركتك حتى تنسى أنك خُلقت لتسبح في محيط أوسع. الرحيل هنا ليس هروبًا، بل عبور نحو فضاء أرحب، نحو حياة تسمح لفكرك أن يتنفس وتمنح روحك فرصة للنمو.
يقول ألبير كامو: “الحرية ليست شيئًا يُعطى، بل شيء يُنتزع.” وهذا الانتزاع يبدأ من لحظة الوعي بأنك أكبر من المكان الذي يحاول تقزيمك، وأعمق من السقف الذي يحاول خفض طموحك. إن قول “لا” في هذه اللحظة هو أرقى أشكال الشجاعة، لأنه يضعك على الطريق الذي يلتقي فيه الفعل بالمبدأ، والحلم بالكرامة.
كثيرون يظنون أن الصمت على الإهانة أو التضحية بالقيم هو “ذكاء اجتماعي”، لكن الحقيقة أن كل تنازل من هذا النوع يقتطع جزءًا من روحك، حتى تستيقظ يومًا فلا تجد في مرآتك سوى ظل باهت لما كنت عليه. أمّا من يحسن فن الرفض، فإنه يحافظ على ملامحه كاملة، ويظل يرى نفسه بوضوح مهما تغيّر العالم حوله.
إن قول “لا” ليس قطيعة مع الآخرين بقدر ما هو مصالحة مع الذات. هو إعلان أنك تختار أن تعيش حياة لها معنى، وأنك ترفض أن تتحول إلى ترس في آلة لا تهتم بمن أنت، بل بما تقدمه لها. وعندما تغلق بابًا خلفك، افعل ذلك بثبات وهدوء، لأن الأبواب التي تُفتح نحو النور لا تُرى إلا حين تُغلق تلك التي تحجب عنك الضوء.
خاتمة رمزية:
وحين تمشي خارج ذلك المكان، قد تظن للوهلة الأولى أنك خرجت وحيدًا، لكنك ستدرك سريعًا أن معك جيشًا من المعاني التي لم تكن تراها: كرامتك تمشي إلى جانبك، وحريتك تتنفس مع كل خطوة، وذاتك الحقيقية تبتسم لك من جديد. ستشعر أن الهواء صار أوسع، وأن الأفق، الذي كان جدارًا منخفضًا أمامك، صار سماء بلا حدود.
الرحيل من مكان لا يحترمك هو أشبه بخلع ثوب ضيق خنقك طويلًا، ثم الانطلاق عاريًا من كل الأقنعة نحو ضوءك الخاص. قد يكون الطريق مليئًا بالمنعطفات، لكن كل خطوة فيه تؤكد أنك اخترت أن تكون أنت، بلا رتوش ولا تنازلات.
وحين تنظر إلى الخلف، لن ترى أطلالًا تستحق الحنين، بل درسًا خالدًا: أن أجمل الانتصارات تبدأ بكلمة “لا”، وأن الإنسان، حين يحمي فكره وإنسانيته، يكتب أعظم فصول حريته.

