خواطر وقصص بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 11/08/25 | 6:18
شفاء المشاعر الجريحة… مقاربة نفسية-اجتماعية في توجيه المجموعات
تُعدّ الجروح العاطفية أحد أكثر الأبعاد الإنسانية عمقًا وتأثيرًا على مسار الفرد النفسي والاجتماعي. هذه الجروح—سواء نتجت عن صدمات طفولية، أو فقدان، أو إهمال عاطفي مزمن—تترسخ في الذاكرة الانفعالية، وتؤثر على أسلوب التفكير وبناء العلاقات واتخاذ القرارات. من هنا، جاءت تجربتي في توجيه المجموعات حول موضوع “شفاء المشاعر الجريحة” كمساحة لتفعيل آليات الاستشفاء النفسي والاجتماعي ضمن بيئة داعمة.
تستند مقاربتي في هذا المجال إلى مبادئ العلاج الجمعي (Group Therapy) كما طوّرها إيرفين يالوم، خاصة في ما يتعلق بعوامل الشفاء الجماعي مثل التطبيع (Normalization)، حيث يدرك المشاركون أنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم، والتقمص الوجداني (Empathy) الذي يعزز الروابط الإنسانية بين أفراد المجموعة.
أبدأ الجلسات بتهيئة مناخ آمن خالٍ من الأحكام، إذ تشير أبحاث كارل روجرز حول “العلاقة العلاجية” إلى أن القبول غير المشروط (Unconditional Positive Regard) يشكل حجر الأساس لفتح القلوب. نعمل أولاً على التعرف الواعي بالمشاعر (Emotional Awareness)، لأن المشاعر غير المُسمّاة تبقى في اللاوعي، تفرض سلوكيات دفاعية دون إدراك الفرد لذلك.
أستخدم تقنيات متنوعة مثل الكتابة التعبيرية (Expressive Writing) التي أثبتت الدراسات—وخاصة أبحاث جيمس بينيباكر—قدرتها على خفض حدة المشاعر السلبية، وتمارين التنفس العميق واليقظة الذهنية (Mindfulness) التي تساعد على تنظيم الجهاز العصبي وخفض التوتر. كما أوظف أنشطة فنية وحركية لإتاحة قنوات تعبير غير لفظية، إذ تؤكد نظريات العلاج بالفن على دور الرموز والألوان في إخراج المشاعر المكبوتة.
أحد الجوانب المؤثرة في التجربة هو ما أسميه “لحظة الانعكاس الجماعي”؛ حين يكتشف المشارك في رواية الآخر جزءًا من ذاته، فيشعر بالتعاطف والتحرر معًا. هنا يتجسد ما وصفه يالوم بـ”العالم المصغر” للمجموعة، حيث تُعاد صياغة أنماط العلاقات الإنسانية بطريقة أكثر صحة وأمانًا.
إن شفاء المشاعر الجريحة ليس مسارًا خطيًا، بل عملية دائرية من الوعي، التعبير، والتكامل النفسي. هو بداية إعادة صياغة العلاقة مع الذات، والانفتاح على الآخر بعين جديدة وقلب أقل خوفًا وأكثر رحمة.
خاتمة وجدانية
في النهاية، أدرك أن كل جرح نحمله ليس وصمةً بل بصمة، وأننا حين نمد أيدينا نحو الضوء، فإننا لا نبحث عن محو الألم بقدر ما نبحث عن إعادة كتابته بلغة أعمق، لغة تتسع للحب والمغفرة.
في دوائر العمل مع المجموعات، أرى كيف تتحول الدموع إلى جسور، وكيف تنبت من قاع الحزن بذور أمل جديدة.
وأؤمن أن الشفاء ليس أن ننسى ما جرى، بل أن نصنع من ذكرياتنا مرآةً نرى فيها قوتنا، ومن قلوبنا موطنًا يتسع لنا ولمن نحب، دون خوف من أن ننكسر مرة أخرى
————————————–
حين يصرخ الصمت… رواية دينا سليم حنحن تكتب بالحزن والنجاة قراءة في -جدار الصمت-
هناك كتبٌ تدخلها كما يدخل المسافر مدينة غريبة؛ تتأمل وجوهها، تشمّ هواءها، وتخطو بحذر على أرصفتها. لكن “جدار الصمت” للكاتبة دينا حنحن ليس مدينة تُزار، بل جدارٌ يقف أمامك شامخًا، يفرض عليك أن تلمسه، أن تصغي إلى وشوشاته، وأن تترجم ما لا يقال. كتبت دينا هذه الرواية بعد فاجعة فقدان ابنها باسم، لتتحول الكتابة هنا إلى فعل نجاة، ومحاولة لترميم الروح بالكلمات. منذ الصفحة الأولى، تدرك أنك أمام نص لا يمنحك رفاهية التسكع، بل يسحبك إلى قلبه حيث الصمت يصرخ، والذكريات تتنفس في الظلال.
هذه ليست رواية عن الصمت بوصفه غيابًا للكلام، بل عن الصمت كقوة فاعلة، كسوط يجلد الذاكرة، وكقفص يضيق على الروح حتى تخشى التنفس. الشخصيات تتحرك بين الكلمات بحذر، كأنها تسير في ممرات ضيقة بين ألغام، تخشى أن ينفجر الماضي إذا نطقت به.
الرواية كُتبت بعد فاجعة شخصية هزّت حياة الكاتبة، وهي وفاة ابنها باسم. هذا الحدث المفصلي لا يرد كذكرى عابرة، بل ينساب في نسيج النص كنبض داخلي، يفسّر عمق الألم، ويمدّ الصمت في الرواية بظلال من الفقد الذي لا يزول. إن الصمت هنا ليس اختيارًا، بل هو رد فعل نفسي أمام جرح لا يقبل الاندمال.
البعد النفسي للرواية
من الناحية النفسية، تُشيّد الكاتبة فضاءً مغلقًا يختزن مراحل الحداد والإنكار والعزلة، وكأن الجدار هو رمز لآلية دفاعية تبنيها النفس كي تتفادى الانهيار. غير أن هذه الآلية، بقدر ما تحمي، فإنها تحاصر، فتجعل الروح أسيرة لذكريات موجعة. في لحظات معينة، يطلّ القارئ على انكسارات داخلية، حيث تصطدم الشخصيات بحدود قدرتها على التعايش مع الفقد، فيسود شعور بالاغتراب والتيه.
الرمزية في “جدار الصمت”
الجدار: يتجاوز كونه حاجزًا ماديًا ليصبح تجسيدًا لكل ما يفصل الإنسان عن العالم: الخوف، الصدمة، الذكريات المؤلمة، وحتى القيم التي فقدت معناها.
الصمت: ليس سكونًا سلبيًا، بل فعل مقاومة وصراع داخلي، أحيانًا ضد النفس نفسها.
الظلّ والضوء: يلعبان دورًا مزدوجًا، فهما يكشفان ويخفيان، تمامًا كما تفعل الذاكرة حين تختار ما تسمح لنا بتذكره.
مقارنة بأسلوب الكاتبة في أعمال أخرى
في أعمال سابقة، اعتادت دينا حنحن المزج بين الحكاية الواقعية والبعد الإنساني العام، لكن في “جدار الصمت” تنتقل إلى مستوى أكثر خصوصية واعترافية، إذ تحوّل الألم الشخصي إلى نص أدبي جامع، يلامس القارئ مهما اختلفت تجربته. وهنا تكمن فرادة الرواية: إنها مكتوبة بدمع القلب لا بحبر القلم.
خاتمة
“جدار الصمت” ليست رواية للقراءة العابرة، بل نص يطالبك أن تقرأه ببطء، وأن تُصغي لما لا يُقال بقدر ما تقرأ ما كُتب. إنها شهادة على ألم شخصي تحوّل إلى عمل أدبي، وعلى قدرة الكلمة على اختراق أعتى الجدران التي تبنيها النفس.
إنها حكاية عن الشجاعة التي تبدأ من الإصغاء، وعن الحرية التي لا تُنال إلا حين نتجرأ على الكلام، ولو كان الكلام همسًا خلف جدار.
ومضات من النص
“كنت أضع يدي على الجدار، كأنني أتحسس نبضه، فأكتشف أنه ينبض بذكرياتي لا بحجارته.”
“الصمت ليس غيابًا للصوت، بل حضورًا لما نخشى أن نقوله.”
“أحيانًا، نختبئ خلف الجدران التي بنيناها، حتى من أنفسنا.”
“بعد رحيله، صار الجدار أطول، والنافذة أصغر، والهواء أثقل.”
“الضوء الذي يتسلل من شقوق الجدار… لا يبدد الظلام، بل يذكّرني به.”
“كنت أظن أني أهرب بالصمت، لكني اكتشفت أني كنت أختبئ فيه.”

