الرياضة بين السوق والمعبَد: هل ما زالت كرة القدم لعبة عادلة؟
بقلم فخري هوّاش البروة /جديدة -مكر
تاريخ النشر: 10/08/25 | 14:40
لم تعد كرة القدم مجرّد لعبة يتنافس فيها اللاعبون على المستطيل الأخضر، ولم تعد تلك الرياضة الشعبية التي تسكن وجدان الشعوب وتوحدهم على نبض الشغف. لقد تحولت اليوم إلى صناعة ضخمة تهيمن عليها الأموال، والمصالح التجارية، والإعلام، حتى باتت أقرب ترفيهي” منه إلى رياضة.
اللاعب الذي كان يومًا مثالًا للحرية والحلم، أصبح سلعة تُباع وتُشترى في أسواق “الانتقالات” وكأنها مزادات نخاسة.
اللاعب تحوّل إلى موظف مشروط، مقيد ببنود صارمة، خاضع لأوامر إداريين لا يهمهم سوى العائد الاستثماري.
لعبة كرة القدم باتت ضرب من ضروب العبودية المعاصرة، حيث يُسلب اللاعب من حقه في تقرير مصيره، ويُستنزف جسديًا ونفسيًا تحت ضغط العقود والإعلانات وجدول المباريات المكثف.
الخلل لم يتوقف عند انتقالات اللاعبين، بل طال الجوائز والتكريمات. خذ على سبيل المثال جائزة “أفضل لاعب في العالم”. كثيرًا ما تُمنح هذه الجائزة بناءً على شعبية اللاعب، أو حجم الحملة الإعلامية المرافقة له، أو اسم النادي الذي يلعب فيه، بدلًا من أن تُمنح لمن يستحقها أداءً وموهبة. موهوبون حقيقيون يُقصون من المشهد، بينما يُتوج آخرون لأنهم يمثلون علامات تجارية ضخمة أو تحالفات إعلامية مؤثرة.
لقد بات التنافس الشريف مجرد ديكور في مسرح تسكنه الإعلانات، وتتحكم فيه السياسات الخفية. صارت الأسئلة الأهم اليوم: “كم تبلغ قيمتك السوقية؟”، “من هو الراعي الرسمي لك؟”، و”كم عدد متابعيك؟”، وليس “ما الذي قدمته في الميدان؟”، أو “كيف ألهمت جمهورك؟”.
في ظل هذا التلاعب، نرى كيف تتحول الرياضة من مجال إنساني إلى نظام طبقي. تُهمَّش المواهب التي لا تحظى بدعم إعلامي أو مالي، وتُصنع “نجوم” عبر خوارزميات السوق لا بالمهارة والروح الرياضية.
بل إن الرياضة، بما فيها كرة القدم، أصبحت في بعض مظاهرها الحديثة ديانة مذهبية.
نعم، ديانة بكل ما تعنيه الكلمة من طقوس وقداسة، لكنها مذهبية مفرِّقة، لا جامعة.
مشجعون يقاتلون كأنهم في حرب مقدسة دفاعًا عن “ناديهم”،
حملات تحريض وشتم وتهديد متبادل على وسائل التواصل،
تقديس للاعبين و”شيطنة” لآخرين،
بل وأحيانًا انقسام المدن والمجتمعات إلى “معسكرات متناحرة”، كما يحدث في مباريات الكلاسيكو أو الديربيات الكبرى.
صار الانتماء الرياضي أشبه بانتماء طائفي، لا يُناقش ولا يُنتقد، ومن يجرؤ على ذلك يُكفَّر كرويًا، ويُتهم بالخيانة.
وهنا لا يمكننا أن نغفل دور الإعلام، الذي بات يؤجج هذا الانقسام، ويستثمر في التعصّب، لأنه يعرف أن “الدراما تبيع”، وأن الغضب يحصد الإعلانات. وكلما ارتفع منسوب الانفعال، زادت الأرباح.
الرياضة بحاجة ماسة إلى أن تستعيد روحها. أن تُفكك من سطوة السوق، وأن تعود إلى الإنسان. إلى الطفل الذي يركض خلف كرة في حي شعبي، لا ليُباع، بل ليحلم.
أن تعود إلى الملاعب الترابية، إلى الشغف الخالص، إلى اللحظة التي يُسجَّل فيها الهدف لا ليُسوَّق، بل ليفرح الجمهور.
نحن لا نرفض التطوّر، ولا نطالب بالحنين المجرد، ولكننا نرفض أن يُستبدل الحلم بالصفقة،
وأن تتحول الرياضة إلى منصة مذهبية
وأن يُختزل اللاعب في بند مالي
وأن يُمارَس على جسده ونفسيته شكل جديد من العبودية، مغطى بشعار الاحتراف.
فهل ما زالت كرة القدم لعبة عادلة؟
الإجابة، للأسف، تترنح بين خطوط المرمى… ودهاليز السوق والمعبَد.

