بين الشعار والمبدأ – معركة الثبات والمرونة في ساحات العمل السياسي والاجتماعي
*الشيخ صفوت فريج* *رئيس الحركة الإسلاميّة*
تاريخ النشر: 09/08/25 | 13:50
في العمل السياسي والاجتماعي، يُُلوّح بعضهم بشعارات مثل “الخطوط الحمراء”، و”الثوابت”، ليظهروا في صورة أصحاب المبادئ الراسخة، الّذين لا يساومون. لكن الحقيقة أحيانًا أنّ الهدف بعيد عن حماية الحق والثبات على الموقف، بل يكون الهدف صناعة مشهدٍ صارم يخدم الصورة الشخصيّة لهؤلاء، ويُحرِج الآخرين ليبدوا ضعفاء متهاونين وبلا ضوابط. هكذا يتحوّل الشعار من أداةِ دفاعٍ عن القِيَم، إلى أداة ضغطٍ واستعراض، ومن وسيلةٍ لحماية الحق، إلى وسيلةٍ لإقصاء المخالف أو تشويهه.
المبدأ الأصيل لا تصنعه الشعارات البرّاقة، بل يولَد من عقيدةٍ راسخة، وقيمة تمحصّت تحت مجهر الاختبار، وثبتت أمام ثقل الواقع وكلفة الخسارة. المبدأ الأصيل هو ذاك الّذي يبقى ثابتًا حين تُختَبَر النوايا، وحين تتصادم المصالح. يبقى تحريم قتل المدنيّين في الحروب مبدأ ثابتًا حتّى حين يبرّره الآخرون تحت ذريعة الضرورة أو الانتقام. يبقى رفض بيع الأرض تحت الاحتلال مبدأ ثابتًا مهما كان الثمن أو الإغراء. يبقى الالتزام بالشفافيّة الماليّة مبدأ ثابتًا ولو كان الثمن إغلاق مشروع كامل. يبقى إنهاء الاحتلال ومقاومته مبدأ ثابتًا وإن تبدّلت الآليّات وتغيّرت الوسائل. يبقى تحقيق المصالح الكبرى لمجتمعنا العربي في البلاد، تمكينه وثباته على أرضه، مبدأ ثابتًا وإن اختلفت الرؤى والاجتهادات في بلوغها. المبدأ الأصيل هو ضمير حيّ، يثبت مهما كان محفوفًا بالأثمان والمخاطر، وصدق من قال: “إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ، فإنّ فسادَ الرأي أن تتردّدا”.
أمّا الشعار المزيّف، فهو ذاك الّذي يلمع على المنابر والمنصّات، ويذوب عند أوّل احتكاك في الميدان. هو رفضٌ معلن للتفاوض، تتبعه لقاءات سرّيّة على طاولات المباحثات. هو ادّعاءٌ بأنّنا “لن نتحالف مع العلمانيّين”، ثمّ يسيرون خلفهم. هو الادّعاء بأنّ حرّية التعبير خطٌّ أحمر، وممارسة النقد الشرس واللاذع بأقسى التعابير والكلمات مع المخالف. “يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”، فالشعار المزيّف يعيش على الاستعراض، بعيدًا عن المبدأ الأصيل. يحيا أمام الكاميرات، ويموت عند أوّل اختبارٍ حقيقي.
التوازن الراشد هو أن نفرّق بين مبدأ ثابت أصيل لا يتبدّل، وبين شعارٍ مؤقّت يتبدّل مع تغيّر الظروف. هو أن نمتلك البصيرة الّتي تكشف لنا الفرق، والشجاعة الّتي تمكّننا من التمسُّك والحفاظ على الثوابت بلا عنادٍ أعمى، والأمانة الّتي تدفعنا لمراجعة مواقفنا بلا تسيُّب أو مساومة على الحق. التوازن الراشد هو فنّ الوقوف بثبات حيث يجب، والتحرُّك بحكمة حيث يلزم، حتى لا نصبح أسرى الجمود باسم المبدأ، ولا عبيد التنازلات تحت مسمّى المرونة. قال عليه الصلاة والسلام: “سدِّدوا وقارِبوا”، وقال النووي معقّبًا على الحديث: “اطلبوا السدادَ، واعملوا به، وإن عَجَزْتُم عنه، فقارِبُوه، أي اقربوا منه، والسداد هو بين الإفراط والتفريط، فلا تَغْلُوا ولا تُقصِّروا”.
في الشريعة، العقيدة – مثل التوحيد، والإيمان بالرسل واليوم الآخر- ثابتة لا تتبدّل ولا تتأثّر باختلاف الزمان أو المكان، لأنّها أصل الدين وجوهره. أمّا الأحكام الفقهيّة والفتاوى، فهي بطبيعتها قابلة للاجتهاد والتغيّر تبعًا لاختلاف الزمان حين تظهر مستجدّات أو تتغيّر العادات، وتبعًا لاختلاف المكان حين تتباين الأعراف أو الواقع الاجتماعي، وتبعًا لاختلاف الأحوال كوجود ضرورة أو مصلحة راجحة أو ضرر متوقَّع. وهذه المرونة الفقهيّة ليست تفريطًا في الدين، بل هي من كمال الشريعة الّتي تراعي أحوال الناس، وتحقّق مقاصدها في كل عصر، حين تجمع بين ثبات الأصول ومرونة الفروع، لتظلّ صالحة لكلّ زمانٍ ومكان.
وكما أنّ العقيدة ثابتة لا تتغيّر، فإنّ المواقف المبدئيّة الكبرى في الحياة العامّة يجب أن تظلّ هي الأخرى ثابتة لا تتغيّر، لأنّها تمثّل القِيَم الجوهريّة الّتي تقوم عليها الرؤية والمشروع. أمّا التفاصيل والآليّات والقرارات الإجرائيّة، فهي أشبه بالأحكام الفقهيّة الّتي تتبدّل بتبدّل الظروف، وتتنوّع بتنوُّع السياقات، دون أن تمسّ جوهر المبدأ أو تهدم مقاصده. الثبات على المبدأ والأصل يضمن الهويّة والاتّجاه، والمرونة في الوسائل تتيح بلوغ الغاية بحكمة وفاعليّة، حتّى في بيئة متغيّرة مليئة بالتحدّيات.

