خواطر وقصص بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 08/08/25 | 11:57
النقد… نافذة تطلُّ على روحي
رانية مرجية – كاتبة قصة وشعر ومقال
لم أدخل عالم النقد من بابه العالي، ولا رغبت يومًا بأن أكون فيه “ناقدة”.
دخلته كما تدخل امرأة عاشقة مكتبةً قديمة: بلهفة، بخجل، برغبة في الاكتشاف.
لم أحمل سيف اللغة لأقطع، بل وردة الكلمة لأقترب.
أنا كاتبة قصة، حين تملي الحياة عليّ مشاهدها العارية.
وشاعرة، حين يستفزني الوجع ويوقظني الحب.
وصاحبة مقال، حين تصرخ داخلي الأسئلة فلا تسكت إلا بالكتابة.
أما النقد؟ فكان تجربة جديدة، أشبه بمرآة طيّبة لا تُكشّر، بل تعكس.
ما زلت أؤمن أن هناك من يكتب أفضل مني، وأعمق، وأقدر على تفكيك النصوص وتحليلها.
ولم أشعر بالخجل من ذلك، بل بالامتنان.
الكتابة الحقيقية تبدأ حين نكفّ عن الادّعاء، ونلبس ثوب التواضع، لا المجاملة.
أنا لا أقرأ النص لأقيمه، بل لأعيشه.
أقرأه كما أقرأ وجهي حين أكون مرهقة: بتأمل، بحنان، وربما بدمعة.
حين أكتب ما يشبه قراءة نقدية، أكتبه كنصٍ ثانٍ، لا كتقرير جامد، بل كرفيق للنص، لا كمحكمة عليه.
النقد، في عرفي، ليس تجريدًا أو علواً فوق النص، بل انحناء له.
إنه دعوة لقراءة الحياة في اللغة، واللغة في التجربة، والتجربة في الإنسان.
وحين أمارسه، فبصفتي متذوّقة للأدب الجميل، لا ناقدة محترفة.
أنا أؤمن أن النصوص تنقدنا أكثر مما ننقدها.
تختبر صدقنا، وتنزع عنا أقنعتنا، وتتركنا أمام الحقيقة عراة:
هل قرأنا بروحنا؟ هل سمعنا صوت الكاتب من بين السطور؟
هل رأينا أنفسنا فيه؟
كل ما أفعله حين أكتب عن نص أدبي، هو أن أمدّ يدي برفق.
ربما لأصافحه.
وربما لأواسيه.
وربما، ببساطة، لأشكره لأنه أيقظني.
⸻
أنا رانية مرجية.
كاتبة لا تؤمن بالتصنيفات الصارمة.
أحب القصة كما أحب العتمة التي تسبق الضوء.
أعشق الشعر كما أعشق صمتي حين يصبح الكلام فائضًا.
وأكتب النقد… حين تطرقني النصوص وتطلب مني أن أكتب عنها، لا عنها فقط، بل عني أيضًا
——————————————–
“حين انهارت الطاولة… وانكشفت الوجوه”
كانت الطاولة المستديرة في ذلك المقهى الثقافي العتيق تضجّ بالضحك، بالمجاملات، برائحة القهوة المحترقة، و”الشللية” المُعطرة بعبارات النفاق المغلف. كلّ مساء خميس، يجتمعون هناك. لا شيء يتغير سوى أسماء الكتب التي لا يقرؤونها، والضيوف الذين يختارونهم بعناية، لا بناءً على القيمة، بل على الانتماء… للشلّة.
أنا، لم أكن يومًا من المدعوين.
رغم أنني كتبت، ونُشرت لي مقالات، وطبعت ديوانين على نفقتي الخاصة، لم يُدعني أحد لقراءة حرف.
“موهبتك ليست كافية، عليك أن تُقبّلي الخواتم!”، قالت لي إحداهن، وضحكت.
أدركتُ أن الثقافة أصبحت حرفة تُباع وتُشترى، وأن من لم يكن ضمن الحظيرة، فمصيره النباح خارجها. لكنني لم أنبح. كتبت.
كتبت قصائد غاضبة. قصائد عنهم. عن جوائزهم “المفصّلة”، عن اللجان التي لا تقرأ، عن الكتب التي تفوز لأنها كُتبت بأسماء مُكرّسة لا لأنها تستحق.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.
انفجار. لا، ليس صوت قنبلة. بل صوتُ تسجيل مسرّب.
كان أحدهم قد سجّل جلسة داخلية بين كبار “الشلّة”، يضحكون فيها على كاتبة شابة فازت بجائزة كانت “مقررة سلفًا”، ويتبادلون السخرية من كاتب آخر “ثقيل الظل لكنه محسوب علينا”، ويخططون لتهميش “من لا يطبّل”.
في الليلة ذاتها، انتشر التسجيل كالنار في هشيم الفيسبوك.
تعليقات، مشاركات، عناوين صحفية: “فضيحة أدبية تهزّ الساحة الثقافية”.
القراء، الذين طالما ظنّهم النقّاد أغبياء، صرخوا: كفى!
انهارت الطاولة.
أُلغيت الجائزة.
استقال أحدهم.
اختفت أخرى.
والمقهى؟ أصبح مهجورًا.
لكني لم أفرح، بل بكيت.
ليس شماتة، بل وجعًا. لأننا كدّسنا عقودًا من الكلمات على أساسات هشة، ولم ننتبه أن الأدب لا يُبنى بالشِلَل، بل بالصدق.
بعد أشهر، دُعيت لأول مرة لإلقاء قصيدة في نادٍ ثقافي. لم يكن فيه طاولة مستديرة، بل كراسي متفرقة، متساوية. لا أحد في المنتصف، ولا أحد على الهامش.
قرأت قصيدتي: “حين تنهار الطاولة… تُبعث الكتابة من جديد.”
حين انتهيت، صفقوا. لا لأنني من الشلة، بل لأن القصيدة مست قلبًا ما.
وهذا يكفيني.

