نبض موجز
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 07/08/25 | 11:52
قميص أبي
لا يزال في الخزانة
يفوح
برائحة
لم يودّعني بها
تأمل:
ما الذي يتركه الغياب؟
أحيانًا لا يترك لنا الغياب سوى رائحة…
رائحة تختصر عمرًا من الحضور،
وربما تختزل وداعًا لم يُكتب له أن يُقال.
قميص أبي ليس قطعة قماش،
إنه آخر ما تبقّى من حضوره،
من دفئه الذي لم يتسنَّ لي أن أختتمه بنظرة أو بكلمة.
إنه يعلّق الذاكرة بين ما هو حيّ وما هو راحل،
ويبقيني معلّقة على مشجب السؤال الكبير:
لماذا لم يودّعني؟
حين تأخرت
طرقتُ الباب
لكنني
كنتُ أنا من غادر
لا من عاد
تأمل:
نطرق الأبواب أحيانًا بحثًا عن أنفسنا،
عن ماضينا، عن غرفة كنّا نعتقد أنها لا تزال تسكننا.
لكننا نكتشف، بعد لحظة صدق مؤلمة،
أننا لسنا العائدين، بل الذين غادروا منذ زمن،
من دون أن يلتفتوا إلى صوت الباب حين أغلقوه.
في هذه الومضة، أحاول أن أقول:
كم من مرة بحثنا عن العودة لنكتشف أن الرحيل كان في داخلنا؟
أننا لم نعد نملك حتى مفاتيح العودة؟
هي لحظة صادمة…
لكنها ضرورية لنبدأ من جديد.
وصية نائمة
لم أفتح الرسالة
لكنني
بكيتُ
كما لو قرأتها
تأمل:
ثمة رسائل لا تحتاج أن تُفتح،
هي تحوي أسرارها في وزن الظرف،
في خَتمه المرتجف،
وفي إحساسنا بأن الكلمات في الداخل موجعة جدًا لقراءتها.
البكاء هنا ليس حزنًا فقط،
بل اعتراف ضمني بأننا نعرف…
نعرف ما أراد قوله الراحل،
وما كنا نتجنبه خشية أن يتحول إلى حقيقة.
أنا بكيت،
لأن الرسالة كانت ثقيلة بالحقيقة،
وكنت أضعف من أن أقرؤها،
لكنني لم أكن أجهلها.
خاتمة:
هذه النصوص الثلاثة، وإن بدت وجيزة،
إلا أنها تجسّد في اختزالها صوتًا داخليًا طويلًا…
نبضًا لم ينقطع، حتى وإن خفت،
وملامح حزن عتيق
لا تزال تلوّح لنا من وراء الأشياء:
من قميص، من باب، من ظرف مغلق.
الوجع لا يحتاج إلى حكاية طويلة.
يكفي أن نلامسه في تفاصيل صغيرة
لنغرق في بحر من المعاني التي لم تُقل.




