تأثير نظريّة “البحث عن معنى” كما انعكس في نصوص قصصيّة

د. محمود أبو فنّه

تاريخ النشر: 06/08/25 | 16:06

يجب التّأكيد على أنّ العمل الأدبيّ الجيّد هو وحدة متكاملة يشتمل على المضمون من أفكار وقيم ورسالة، وفي نفس الوقت تتوفّر فيه المعاير الفنّيّة الجماليّة من لغة وأسلوب ومقومّات بحسب الجانر/اللّون الأدبيّ.
ولو أخذنا القصّة القصيرة فإنّنا نتوقّع أن نجد فيها: الموضوع أو الفكرة، الشّخصيّات، الأحداث، الرّاوي، اللّغة والأسلوب والعنوان…
وسنركّز في هذا المقال على كيفيّة تأثير فكرة المعنى على الأحداث وسلوك شخصيّات القصّة.
وكنموذج للوقوف على أهميّة وجود معنى/هدف في حياة الإنسان سنتناول ثلاث قصص: “دجاجة أمّ يعقوب” للأديب ميخائيل نعيمة وقد وردت في كتابه: “أبو بطّة” الصّادر عام 1958م، وقصّتين للأديب المحلّيّ مصطفى عبد الفتاح وهما: قصّة: “نرجس”، وقصّة قصيرة جدًّا (قصّة ومضة) بعنوان: “قصّة حبّ أبديّة” وقد وردت القصّتان في كتابه: “طَرْقٌ على جدار الذّاكرة” –إصدار دار الهدى، عبد زحالقة. طبعة أولى 2024.
أ‌. دجاجة أمّ يعقوب
عنوان القصّة: “دجاجة أمّ يعقوب” وبالفعل كان لوجود الدّجاجة واختفائها تأثير كبير على أحداث القصّة وشخصيّاتها، وبصورة خاصّة على أمّ يعقوب.
أمّا أبرز الشّخصيّات الّتي ذكرت في القصّة فهي: أمّ يعقوب وزوجها الغائب، أمّ الثآليل، الجيران، ودجاجّة أمّ يعقوب.
الرّاوي: يسرد لنا الرّاوي (العارف المشرف غير المحدود) جميع أحداث القصّة مبرزًا صفات أمّ يعقوب وفلسفتها في الحياة وحبّها للدّجاجة الّتي كانت تمثّل الهدف/المعنى الذي كانت أمّ يعقوب تعيش لأجله!
الأحداث: تمتدّ الأحداث على فترة زمنيّة قصيرة لعدّة أسابيع.
اللّغة والأسلوب: اللّغة العربيّة المعياريّة الفصيحة مع إثرائها بالأمثال الشّعبيّة والحِكَم.
كما انعكست حياة أمّ يعقوب في القصّة وقد مرّت بمرحلتين: مرحلة العيش مع الدّجاجة السنيورا، ومرحلة العيش بعد اختفاء البيض والدّجاجة.
في المرحلة الأولى ظهرت أمّ يعقوب الّتي أشرفت على التّسعين من عمرها كعجوز قويّة ما زالت تحافظ على أسنانها وأضراسها، ورؤيتها حادّة تستطيع إدخال الخيط في ثقب الإبرة، ولها فلسفة في الحياة تطبّقها بحذافيرها تتمثّل في: بخلها، موقفها ضدّ الإحسان، وكرهها للموت وحبّها للحياة واعتبارها طول العمر منحة ربّانيّة، أمّا حبّها للحياة فهو بعض من حبّها لدجاجتها، فبين أمّ يعقوب ودجاجتها السنيورا تفاهم تامّ لا مثيل له بين حيّ وحيّ، فالسنيورا أحبّ المخلوقات إلى قلب أمّ يعقوب، وهي لا تستطيع مفارقة بيتها لحبّها للدّجاجة. وهذه الدّجاجة تقاسم أمّ يعقوب الرّغيف، وأحيانا تقفز لتغفو في حضن أمّ يعقوب الّتي تمسّد يدُها ريش رأس الدّجاجة برفق، وأحيانًا تطبع أمّ يعقوب بشفتيها قبلةً على عُرف الدّجاجة الأحمر…
المرحلة الثّانية: تبدأ هذه المرحلة باختفاء بيض الدّجاجة لمدّة عشرة أيّام كانت أمّ يعقوب تتّهم جارتها أمّ الثآليل بسرقة البيض وتتشاجر معها، وفي اليوم التّالي لآخر مشاجرة اختفت الدّجاجة نفسها، فكانت التّهمة لأمّ الثّآليل بخطف الدّجاجة بدون بيّنة، ولم يفلح الجيران بتهدئة أمّ يعقوب وتعزيتها.
مع اختفاء الدّجاجة حدث التّغيير الحاسم في حياة أمّ يعقوب: “”فما عتم حيلها أنْ انهدّ، وبصرها أنْ أظلم، ونَفَسُها أنْ ضاق به صدرُها، فدفنت نفْسَها في فراشها واستسلمت للسّويداء واليأس والنّحيب والصّوم، وبعد ثلاثة أسابيع للموت..”.
في هذه المرحلة الثّانيّة بعد اختفاء البيض ثمّ الدّجاجة فقدت أمّ يعقوب التّحكّم بنفسها وسلوكها، وأخذت صحّتُها تتدهور حتّى ضعفت وانهارت ولبّت نداء الحقّ لأنّ أمّ يعقوب، بحسب نظريّة فيكتور فرانكل، فقدت الدّجاجة السنيورا الّتي وجدت فيها أمّ يعقوب المعنى/الدّلالة والمبرّر لحياتها.

ب‌. قصّة: “نرجس” (من كتاب: طَرْق على جدار الذّاكرة” – ص: 154 – 160
تتحدّث هذه القصّة عن لقاء الرّاوي بالأمّ “نرجس” في حديقة البلديّة وهو في طريقه للكلّيّة، وكانت تجلس على مقعدٍ خشبيّ تستمع لموسيقى حزينة تنبعث من بناية قريبة، وكان منظرها غريبًا، و”كانت نظرتها حزينة كأنّها قادمة من عالم آخر”، بل كانت نظرتها: ” لا تحمل أيّ معنى غير الحزن المبطّن على وجهٍ مُتْعَب” – القصّة: 154
في البداية لم يتذكّر الرّاوي نرجس، ولكنّها بادرت بتعريف نفسها له وذكّرته بمقتل ابنها في عمليّة إجراميّة خاطفة.
صدم الرّاوي من المفاجأة وتذكّر كيف كانت نرجس قبل مقتل ابنها:” المرأة الأنيقة المتعلّمة والمثقّفة الّتي خرب عالمها، وتحطّم مستقبلها، وانتهت حياتها” – ص:156
استغرب الرّاوي من التّغيير الكبير الّذي حصل عند نرجس منذ أن أصبحت أمًّا ثكلى، فقد تعجّب من مشاهدة: “نظرتها البلهاء معلّقة في اللّا شيء” – ص: 157
وتصرّح نرجس للرّاوي قائلةً: “أصبحت حياتي بلا معنى وبلا طعم”. – ص:157
وصارت تعاني من الكوابيس المفزعة في نومها.
وترفض نرجس عزاء الرّاوي لها بقوله إنّ ما حدث لابنها هو قضاء وقدر، بل هو، بحسب رأيها، حدث بسبب سلوكنا نحن البشر، وهي تتحمّل نتيجة إهمالها لتربية ابنها، وتقول: “الزّمن يغيّر الشّكل والجوهر”. – ص:159
وفي اليوم التّالي للقاء الرّاوي بنرجس يبثّ الرّاديو قصّة مقتل ابنها والعثور على نرجس ميّتة في الحديقة العامّة.
وعلى ضوء أحداث القصّة ونهايتها المأساويّة يمكن القول:
كانت الأمّ نرجس تجد في حياة ابنها معنى لحياتها، وبمقتله فقدت هذا المعنى ولم تستطع التّسامي فوق مأساتها لتجد معنى جديدًا لمواصلة حياتها، فكان مصيرها الفزع والكوابيس ثمّ الانتحار والموت!

ت‌. قصّة حبّ أبديّة (من كتاب: طَرْق على جدار الذّاكرة. ص:176)
نصّ هذه الأقصوصة القصيرة:
“قال لها وقد بلغا من العمر عِتِيًّا: تخيّلي أنْ أنهض في الصّباح
فلا أجد من أقول له صباحُ الخير.
قالت: تخيّل أن أنهض لأطهوَ الطّعام كلّ يوم فلا أجد من يتناولُه.
وجم الاثنان وتمتما بأمنية مشتركة.
قال: ليتني أسبقُكِ إلى هناك.
قالت: ليتني أسبقُكَ إلى هناك.
ونظرا معًا إلى السّماء”.

هذه القصّة القصيرة جدًّا تحمل رسالة واضحة عن الحبّ والوفاء الّذي يظلّل حياة الزّوجين.
فالزّوجان يعيشان معًا منذ ارتبطا بالزّواج حتّى وصلا إلى مرحلة الشّيخوخة المتقدّمة، وتجمع بينهما المحبّة والوفاء، ولا يتصوّر كلّ منهما إمكانيّة العيش بدون الشّريك الآخر، ويتمنّى كلّ واحد منهما الموت قبل الآخر لأنّه لا يريد مواصلة العيش وحده بدون شريك/ة العمر!
وبالرجوع لنظريّة المعنى لفيكتور فرانكل يتّضح لنا أنّ الزّوجين يؤكّدان على أنّ الهدف أو المعنى لاستمرار وجودهما هو: “حياتهما المشتركة معًا بمحبّة ووفاء”، وإذا فَقدا هذا الهدف/المعنى فالموت هو الأمنية المنشودة لكليهما.
للإجمال يمكن القول إنّ فقدان الإنسان معنى لحياته يقوده للإحباط واليأس واللجوء للتخلّص من الحياة أو التفكير بالموت، ولكن هناك من يتسامى عن حزنه ومأساته ويسعى للبحث عن معنى جديد يعيد له إيمانه بالحياة وتمسّكه بالأمل!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة