حين يُعجن الفرح قوتًا: قراءة في نص “قد أُكمل” لريتا عودة
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 06/08/25 | 6:36
في زمنٍ تتراكم فيه الخسائر، وتُجلد فيه الأرواح بجلدٍ بارد، تخرج الشاعرة ريتا عودة من نصوص النحيب والانكسار، لا لترفع راية النسيان، بل لتعلن اكتمال الألم، واكتمال مرحلة لا بدّ من أن تمضي.
نصها القصير “قد أُكمل” ليس مجرد نثر شعري. إنه مانيفستو أنثويّ، تعلن فيه الذات المتعبة، القوية، المتصالحة، عن قرارها بالتحوّل.
“خَلَعْتُ صَلِيبِي، وَمَضَيْتُ”
هي لا تهرب، ولا تستجدي الشفقة، بل تخلع صليبها عن كتفيها كما تخلع المرأة الحرة ثوبًا لم يعد يليق بها، وتمضي… لا إلى المجهول، بل إلى الحقول والحدائق، حيث لا معابد ولا مقاصل ولا شعارات، بل سنابل.
ومن هذه السنابل، تلتقط الشاعرة فرحها القليل الثمين، وتعجنه بوعي البذّارة الحكيمة، لتصنع منه “قوتًا للعجاف القادمة”.
ويا لها من جملة…
كأنها امرأة يوسف، لا تفسر الأحلام فقط، بل تصنع لها خريطة نجاة.
وهنا يكمن الفرق بين من يعيش الشعر، ومن يكتبه كزينة لغوية. ريتا عودة تعيشه، تحيكه بخيط الضوء، وتزرعه في أرضٍ كانت منفى، فتصبح وطنًا.
ثم، وبلا انفعال، بل بهدوء من فهم الدرس كاملًا، تسأل:
“من قال إن الحب مزمن وإن الحزن قاتل؟”
سؤال يهزّ القناعات، يقتلع صلابة المقولات الجاهزة.
فالحب ليس مرضًا كما صوّره أدعياء العاطفة،
والحزن ليس قاتلًا إلا لمن سلّمه رقبته.
في هذا النص، تنزع ريتا عن الكلمات رداء العزاء، وتكسوها بلباسٍ من قمح وفرح واستباق.
نصها دعوة للنساء أولًا، وللبشر عامة، أن لا يكونوا عبيدًا للدموع،
بل خبّازين ماهرين يعجنون ما تبقّى من الحياة، وينتظرون الأعياد الآتية، ولو كانت بعيدة.
“قد أُكمل”؟
نعم، لكنها بداية جديدة.
لا قيامة دموية، بل قيامة على الطريقة الفلسطينية الأنثوية:
بلا ضجيج، بلا يأس، وبكثير من الفرح المختمر.
■■■
الومضة
قَدْ أُكْمِلَ:
خَلَعْتُ صَلِيبِي، وَمَضَيْتُ
بِاتِّجَاهِ الْحَدَائِقِ وَالْحُقُولِ
أَلْتَقِطُ سَنَابِلَ الْفَرَحِ
لأَعْجِنَ مِنْ قَمْحِهَا قُوتًا
لِلْعِجَافِ الْقَادِمَةِ.
مَنْ قَالَ:
“إِنَّ الْحُبَّ مُزْمِنٌ
وَإِنَّ الْحُزْنَ قَاتِل”؟




