لقد جاعَ كرامُ قومنا
محمود ياسين
تاريخ النشر: 27/07/25 | 13:43
في غزة، لا تغيب الشمس كما في باقي المدن، بل تُخفي وجهها خلف ستائر الدخان، وتنهار معها بيوت بلا سقف وأحلام بلا خبز، وطفولة مرهقة بالألم. هنا، الجوع ليس مجرد حالة طارئة أو حدثاً عابراً؛ إنه وجه دائم يطرق أبواب البيوت المدمرة والخيام كل صباح، باحثاً عن فتات الأمس الذي قد لا يكون موجوداً.
المساعدات لم تعد خلاصاً، بل هي في كثير من الأحيان موعد مع الموت الذي يتربص بكل شيء. والماء هناك ليس حياة، بل مجرد قطرة تسقط بين صراع القصف والقصف… غزة ليست مكاناً يعيش فيه الجوع في البطون فقط، بل ينهش الكرامة، يكسر الظهور، ويخنق الأرواح التي تحاول التمسك ببصيص من الحياة.
أكثر من ثمانية عشر عاماً من الحصار الذي لا يرحم، وعدوان لا ينتهي، وسط صمت عربي ودولي أشد قسوة من كل الحروب. صمت أشبه بشاهد عيان يرفض النظر. أي قلب يمكن أن يتحمل رؤية طفلة تبحث في الركام المنتشر في كل مكان عن كسرة خبز؟ أي ضمير يصمد أمام عائلة تبيت على الأرض وتلتحف السماء، متشبثة بالحياة وسط صوت القنابل؟ أي أذان تظل غير مبالية أمام أصوات الثكالى وبكاء الأطفال الجوعى؟!
العالم لا يكتفي بصم أذنيه عن سماع الألم، بل يشيح بنظره بعيداً، يمرر الوقت بلا مبالاة، يغير القنوات ويتفنن في تبرير الجريمة. مؤتمرات تُعقد، خطابات تُلقى، وعود تُطلق ببرود، وفي النهاية لا شيء سوى المزيد من الخذلان، المزيد من الجوع، والكثير من الشهداء الذين يزيدون الأرقام دون حصيلة.
قوافل المساعدات تبقى معلقة عند الحدود تنتظر لحظة البطولة التي قد لا تأتي؛ أما الضمير العربي والعالمي، فهو كدمية معلقة على جدران البيروقراطية التي تدير الألم “بعدالة”.
يبقى الأمل عالقاً على مفترقات الطرق، حافياً وصارخاً بكل ما فيه: “يا تُرى، هل يعرف أحد كم من الكرامة جاعَ اليوم في غزة؟”.

