نظريّة العلاج بالمعنى للدكتور فيكتور فرانكل
د. محمود أبو فنّه
تاريخ النشر: 25/07/25 | 6:36
1. تقديم:
في السّنة الدّراسيّة 1976 – 1977م فزتُ بمناقصة لوزارة التّربيّة والتّعليم حصلتُ فيها على منحة للدّراسة في الجامعة العبريّة في القدس، وكان موضوع الدّراسة والاستكمال التّأهيل في: “التّخطيط الدّراسيّ وإعداد المناهج والكتب الدّراسيّة”.
من المواضيع التّعليميّة الّتي درستُها في تلك السّنة الجامعيّة أذكر المساقات التّاليّة:
– قضايا مختارة في التّخطيط الدّراسيّ.
– ورشة في إعداد المناهج الدّراسيّة.
– معايير ومواصفات الكتاب التّعليميّ.
– طرائق متنوّعة في التّدريس والتّقييم/التّقويم.
– الطالب المحتاج للرّعاية.
وللأمانة أقول: إنّ تلك السّنة الجامعيّة شكّلت نقطة تحوّل في نظرتي لإعداد المناهج الدّراسيّة والكتب التّعليميّة، كما استفدتُ كثيرًا ممّا تعلّمتُه في تلك السّنة الجامعيّة، حيث زادت معارفي وتوسّعت ثقافتي، وتعمّقت رؤيتي وتوجّهي تجاه عمليّة التّربية والتّعليم.
وأذكر أنّ أحد المحاضرين في تلك السّنة أوصى بالحصول على كتاب: “האדם מחפש משמעות” – “الإنسان يبحث عن معنى” للمؤلّف د. فيكتور فرانكل ونصح بقراءته، وبالفعل اقتنيت ذلك الكتاب وقمتُ بقراءته، وقد أذهلني مضمون الكتاب بما
كشفه المؤلّف الّذي كان ضمن المسجونين اليهود في معسكر الاعتقال النازيّ أوشفيتس أثناء الحرب العالميّة الثّانية من معاملة الحرّاس الألمان النّازيّين للمعتقلين الّتي اتّصفت بالوحشيّة والإذلال والتّجويع، ممّا سبّب المعاناة واليأس في نفوس المعتقلين. ووسط هذه المعاناة واليأس عبّر فيكتور فرانكل عن مشاعره وأفكاره مثل: قدرة الإنسان العجيبة أن يتعوّد على الصّعاب والظّروف القاسية اللا- إنسانيّة كما لمسها على ضوء تجربته وتجربة المعتقلين معه، كما توصّل لنظريّته: “التّسامي على الذّات وإيجاد المعنى للحياة”، وبفضل هذه النّظريّة تغلّب الكثير من المسجونين على يأسهم وإحباطهم ونجحوا بالبقاء أحياء وسط جحيم معاناتهم ووحشيّة معاملتهم آملين بتحقيق الحرّيّة في المستقبل.
2. سيرة د. فيكتور فرانكل:
ولد فيكتور فرانكل في مدينة فيينا في النّمسا في تاريخ 26.3.1905 لعائلة يهوديّة. وقد أظهر اهتمامًا بعلم النّفس منذ دراسته في المرحلة الثّانويّة. بعد الثّانويّة التحق بالدّراسة في جامعة فيينا ليتعلّم الطّبّ وعلم الأعصاب. واصل التّخصّص بعد التخرّج في الطّبّ النّفسيّ والأعصاب مستفيدًا من علاقته مع كلّ من زيغموند فرويد وألفرد أدلر، كما شغل منصب رئيس قسم الأعصاب في أحد مستشفيات فيينا. في عام 1942 أعتقل د. فرانكل وأودع في أحد المعسكرات النّازيّة مع زوجته وعائلته. ومكث في معسكر أوشفيتس ومعسكرات أخرى ثلاث سنوات لاقى من المعاناة والقمع والإذلال والتّجويع والمعاملة الوحشيّة اللا – إنسانيّة الّتي تفوق الخيال والوصف، وقد وثّق هذه المعاناة في كتابه المشهور: “الإنسان يبحث عن معنى” الّذي صدر عام 1946 وقد بيع منه تسعة ملايين نسخة.
وفي هذا الكتاب حاول د. فرانكل التّوضيح كيف استطاع المعتقلون الّذين نجحوا بالتّسامي على محنتهم وإيجاد معنى ودلالة لحياتهم بحيث تمكّنوا من الصّمود والبقاء على قيد الحياة رغم العذاب والقمع، بينما المعتقلون الّذين لم يجدوا معنى لحياتهم وقعوا فريسة اليأس والإحباط.
تُوفّي د. فيكتور فرانكل في تاريخ 2.9.1997 عن عمر 92 عامًا.
3. توضيح نظريّة العلاج بالمعنى
هناك عبارة مشهورة لنيتشه تقول: “ما دمتَ حيًّا فستعاني، والطّريق الوحيد للنّجاة أنْ تجد معنى لمعاناتك”، هذه المقولة آمن بها د. فيكتور فرانكل ومنها انطلق ليبلور نظريّته بعد معاناته لمدّة ثلاث سنوات في معسكرات النّازيّة والمعاملة الوحشيّة الّتي تعرّض لها وهو في ريعان شبابه، وبتأثير مأساة مقتل أمّه وأخته أمام عينيه.
في معسكر الاعتقال فَقَد د. فرانكل ومن معه كلّ شيء خيّر: فقدوا حرّيّتهم، وتحطّمت كلّ القيم الإنسانيّة، وعانَوْا من الجوع والقسوة والقمع والذّلّ، وتوقّعوا الموت في كلّ لحظة، وبالرّغم من ذلك لم تستطع تلك الظّروف القاسية زرع اليأس عند السّجين د. فيكتور فرانكل الّذي توصّل لفكرة أنّ الحياة تستحقّ أنْ تُعاش.
لم تستطع معسكرات الاعتقال النّازيّة أنْ تجرّد د. فرانكل من إنسانيّته، ولم تمنعه من الانشغال بإيجاد سبب ومعنى يحيا من أجله.
تنطلق نظريّة د. فرانكل في علم النّفس من: “لا توجد جوانب مأساويّة وسلبيّة لا يمكن تحويلها من خلال موقف الإنسان منها إلى إنجازات إيجابيّة”، وبحسب رأي د. فرانكل في نظريّته المهمّ هو أنّ الإنسان قادر على التّسامي عن ذاته، أو كما قال: “جوهر الوجود هو التّسامي عن الذّات”.
فاليأس في نظر فرانكل هو معاناة ينقصها المعنى، وللتّغلّب على المعاناة والألم علينا أن نتسامى فوق آلامنا لنصل إلى المعنى.
وفرانكل يعتقد أنّ هدف المسجونين ودافعهم وسط المعتقلات النّازيّة كان: “أنْ يجد الإنسانُ معنى لحياته، والإنسانُ يمرّ بهذا البُعد المعنويّ فقط عبر التّسامي عن الظّروف المحيطة الّتي لا يتمكّن من تغييرها، لكنّه يتمكّن من تغيير وجهة نظره تجاهها”.
إنّ فلسفة نظريّة العلاج بالمعنى بالكامل تبني نفسها على الافتراضات التّالية:
أوّلًا: إنّ البشر، يمتلكون حرّيّة الإرادة.
ثانيًا: إنّهم بسبب حرّيّة إرادتهم قادرون على إيجاد المعنى، أي قادرون على التّغيير واتّخاذ موقف مختلف من الذّات والأشياء المحيطة.
ثالثًا: إنّ معنى الحياة هو هدف الإنسان. وفي كتاب فيكتور فرانكل: “إرادة المعنى” يفصّل المقصود بفلسفة المعنى، فالفرد الّذي يعاني من فراغ أو خواء وجوديّ يحتاج إلى إيجاد معنى لحياته ليتغلّب على هذا الفراغ، ويحقّق التّسامي عن الذّات بواسطة المحبّة والضّمير الحيّ.
والخلاصة: الإنسان الّذي يحدّد معنى لوجوده من خلال قيم ومثل معيّنة يكون على استعداد للعيش من أجل تلك القيم، كما يكون على استعداد للموت من أجلها!
4. المجالات الّتي قد يجد فيها الإنسان معنى لحياته بحسب د. فيكتور فرانكل:
1. مجال الانخراط في عمل إبداعيّ في نطاق الأدب والفنّ: من رسم موسيقى، نحت، وتمثيل….
2. مجال سعي الإنسان وتفرّغه لإنجاز عمل أو مهمّة ما.
3. مجال اكتشاف الإنسان قيمة إيجابيّة مرتبطة بالطّبيعة والبيئة أو الحضارة والتّراث.
4. مجال استلهام الإنسان معنى في قيم تهمّه مثل قيم: الخير، العدل، الحقّ، الجمال…
5. مجال التقاء الإنسان المتفرّد بشخصيّة أخرى يبادلها مشاعر الحبّ والوفاء!
مثلّا لو أخذنا حالة الحبّ بين شخصين فإنّ المحبّ يجد معنى حياته في وجوده مع الشّخص الّذي يحبّه تحديدًا!
6. المجال الّذي يتمكّن الإنسان فيه اتّخاذ موقف من معاناته ومحنته.
وهناك من يعتقد أنّ المعاناة الّتي يعيشها الأفراد تُعدّ امتيازًا لهم لأنّها تُعطيهم الفرصة لتحمّل مسؤوليّة العمل على تغيير ذواتهم…

