ومضات شعرية بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 05/06/25 | 15:10
قتْلُ النساءِ… طقْسُ الفُحولِ
قَتَلوها…
وقالوا: أرادتْ خلاصًا
وقد كانَ موتُـكِ أبهى الخلاصِ…!
قَتَلوها…
وكانتْ تلوِّنُ دربَ الحياةِ
وتنسى القيودَ، وتَشربُ كأسا
من الضوءِ، من شهوةِ الأرضِ
من لغةِ الأمِّ، من حُلمِها المنسيّْ
قَتَلوها…
وما عرفوا أنَّ في قَتلِها
قُبحَهم، جهلَهم،
صدى العارِ في زمنٍ يتقنُ الكَذِبَ المُقنَّعْ
قالوا: “عادتْ متأخرةً!”
قالوا: “ضحكتْ في الشارعِ العامّ!”
قالوا: “لباسُها فاضحٌ كالسؤالِ!”
قالوا: “تمردتْ، خانتِ الدينَ، خالفتِ الذوقَ، شتّتَتِ العائلةْ…”
وما سألوها:
هل أَحببتِ؟
هل كنتِ تحلمينَ بشمسٍ تُقيمُ على كتفيكِ؟
هل جرّبتِ أن تَكتبي دون خوف؟
هل قلتِ “لا” يومًا؟
هل تنفّستِ الهواءَ كما يليقُ بالبشرِ الأحياء؟
قتلوها…
وكانت تصومُ عن الغضبِ،
وتُصلّي لقلبٍ يفيقُ من الجهلِ،
لكنّهم كلّما نامَتِ الأرضُ،
أقاموا مذابحَ في اسمها!
حين يغيبان… ينكسر النبض
بقلم: رانية مرجية
حين يغيبانِ،
لا يمضي الغيابُ كما تقولُ الأغنياتْ،
بل يُسقِطُ الضوءَ من المدى،
ويُطفِئُ الأقمارَ في عيونِ الطفولاتْ.
حين يغيبانِ،
تموتُ الضحكةُ في وجهِ الوردْ،
ويغدو المساءُ عاقراً،
لا ينجبُ غيرَ الصمتِ والنَّشَجِ،
وحنينٍ يُقطِّعُ شرايينَ الزمنِ المبتور.
أمي… أبي…
لم تُخبراني أنكما حين تمضيان،
تأخذان قلبي على مَهَلٍ،
كمن يخاف أن يُوقظَ وجعاً،
ثم تمضيان به…
وتتركان صدري موحشاً كقبرٍ قديم.
أمي… أبي…
في حضوركما كانت الأرضُ بساطَ رحمة،
والمساءُ صلاةَ مطر،
والألمُ يهربُ من ظلِّ صوتيكما،
كطفلٍ يخشى العقاب.
أما اليوم…
فكلُّ شيءٍ ضدي،
حتى المرآة،
تراني ناقصةً،
ينقصني أن أقول “ماما” دون أن أبكي،
وأن أهمس “بابا” دون أن يُرتَجفَ الصوت.
__________________
حين يغيبانِ،
لا نُدفَنُ في التراب،
بل نُدفَنُ فينا،
نصيرُ توابيتَ تتجوّلُ،
بلا عزاء، بلا وداع،
بلا يقينٍ يطمئنُ القلبَ أنكما بخيرٍ هناك.
أمي… أبي…
هل تَسمعان؟
قلبي لم يَعُدْ كما كان،
فقد أخذتما قطعةً منه…
ولم تُعيداها
أضرار جانبية جدًا
أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية صباحًا عن تنفيذ “ضربة دقيقة للغاية”.
الضربة الدقيقة أصابت طفلًا في الثالثة، وأمه، وجدته، وحائطًا كتب عليه أحدهم “سنعود”.
لكن لا بأس – بحسب الناطق العسكري، كانت “أضرارًا جانبية”.
في مكان آخر، كانت لجنة عربية تجتمع لبحث “التصعيد الأخير”.
بعد نقاش دام خمس ساعات، خرجوا ببيان مقتضب فيه ثلاث كلمات:
“نُدين بشدة”.
كل من في القاعة صفق،
ثم التقطوا صورًا جماعية أمام خريطة فلسطين… خريطة بلا رفح.
في رام الله، ناقشت إحدى الإذاعات صباحًا أسباب انخفاض منسوب الأمل لدى الجيل الجديد.
الخبير السياسي أجاب: “هناك فجوة بين القيادة والشارع”.
أحسنت يا دكتور. فجوة؟
نحن في هاوية يا رجل، والفجوة ابتلعت كل شيء، حتى اللافتات.
في نابلس، تم اعتقال شاب لأنه كتب على فيسبوك:
“أعتقد أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.”
المفارقة؟ أن التهمة كانت “التحريض على العنف”.
نعم… لأن الحرية صارت عنفًا.
في تل أبيب، اشتبك أعضاء الكنيست حول مسألة تجنيد الحريديم.
قيل إن البعض يفضل أن يظل هؤلاء يصلّون بدلاً من القتال.
جميل. نحن أيضًا نفضل أن يُصلوا،
لكنهم يفضلون أن نصلي نحن… تحت الطائرات.
في ختام هذا اليوم، نشكر كل الجهات التي ساهمت في جعلنا مقهورين.
ونخص بالشكر:
وزارات الثقافة التي تحتفل بالقصيدة بينما تُعتقل كاتبتها.
الصحف التي تنشر صور الركام تحت عنوان “الهدوء يعود”.
والقادة الذين ما زالوا يبحثون عن “حل الدولتين” كما يبحث الأطفال عن كنز في حديقة مهجورة.
غدًا في العدد الثاني من “المقهورون اليوم”:
“اللاجئ الذي حلم بمكيف هواء… فانقصف البيت.”
كنيستي الأرثوذكسيّة
يا مهبطَ الروحِ في الزيتونِ يا سَكَناً
يشعُّ فيكِ حنينُ الشرقِ والوَطَنِ
يا جَرسةَ الضوءِ في فجرِ المدى ولهًا
ويا دعاءَ نُسَيْكٍ خاشعٍ علنِ
كنيستي، يا قُبّةً أبديةً شُحِذَتْ
من الصليبِ ومن أحجارِنا الحَسَنِ
يا هيكلَ النارِ من أنفاسِ ناسكِنا
ومذبحًا خبّأ التاريخُ في الكَفَنِ
رهبانُكِ الخُشعُ في أهدابِهم قمرٌ
والصمتُ إن نطقوا أنشودةُ الزمنِ
فيكِ المباخرُ لا تنطفئُ في غَسَقٍ
ولا تُغادرُكِ الأيقونُ في المحنِ
أمّي هناكَ، وإن غابتْ، تباركني
بظلّها المتعبِ المنسوجِ من كَفَنِ
وطفلةٌ عندَ هيكلِكِ المقدّسِ قد
علّقتْ حلمَها في طرفِ ذاكَ الوسنِ
والشيخُ، كم ذابَ في أهدابِكِ ارتجفًا
يسيرُ كالغيمِ فوقَ الأرضِ والرَّهَنِ
تروي الحجارةُ أني جئتُ من زمنٍ
كانتْ بهِ الأرضُ أنجيلًا من اللبنِ
أصواتُنا نُشِرَتْ فوقَ المدى نُسُكًا
كأننا في ارتحالِ الحبرِ والسُفُنِ
يا ربَّ هذا المجدِ، لا تسلُبْ لنا
كنيستَنا، فهي مجدُ الخبزِ والسَكَنِ
فإذا سُئلتَ عن الأرثوذكسِ في بلدي
فقلْ: هُمُ الرُّكّعُ الباقونَ في العَلَنِ
هُمُ الذينَ على الجلجلةِ ارتجفوا
وسُمِّروا في صلاتِ الحقِّ والفِتَنِ
هُمُ السُهارى على أبوابِ قدسِهمُ
يشعلونَ الرُبى شمْعًا بلا ثمنِ




