متنفَّس عبرَ القضبان (109)

حسن عبادي| حيفا

تاريخ النشر: 11/03/24 | 20:54

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ تبيّن لي أنّ الكتابة خلف القضبان متنفّس للأسير، ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
عقّب جمال الطوفان: “أنت السنديانة الشامخة التي تعطي بسخاء لمن يتظلل بظلالها. بوركت جهودك أستاذ حسن”.
وعقّبت الأسيرة المحرّرة روضة أبو عجميّة: “اللهم هون عليهن أيام السجن… فك الله بالعز قيدهن ويعطيك العافية على كل مجهود تقوم به في ظل هذه الظروف الصعبة والقاهرة”.
وعقّبت الكاتبة إسراء عبوشي: “هذه البطلة كلنا ننتظر ترويحتها يا رب عجل بالفرج الله يكون بعون أسيراتنا في السجن الوضع صعب جدا ويا رب يكرمك على هذا الاهتمام زيارتك متنفس لهم”
نشرت يوم 29.11.2023 خاطرة بعنوان “صفّرنا الدامون”… وخاب أملي.
عُدت لزيارة الدامون لمواكبة وضع حرائرنا؛
“بوز النِمر”
زرت صباح الثلاثاء 6 شباط 2024 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب لألتقي بالأسيرة نفيسة راشد فريد زوربه من أريحا (مواليد 25.08.1987).
حدّثتني بدايةً عن زميلات الزنزانة رقم 8 (خالدة جرار، حنين زرو، مي يونس، إخلاص صوالحة، فاطمة ريماوي، جراح دلاشة، سندس عبيد، فلسطين سلامة، أنوار رستم)، 4 أسيرات يفترشن الأرض (فلسطين، سندس، أنوار، نفيسة) ووضع السجن؛ “الوضع شويّة صعب، ميّة الشتا بتنزل على الغرف وبتبلّل الفرشات، طاقة الباب مسكّرة ببلاستيك وبنختنق، الأكل قليل كثير ومبارح رجّعنا وجبة العشاء، الوضع مكَهرَب بسبب ترجيع الأكل، مبارح أول مرّة بشغّلوا التدفئة، باب الفورة بكون مسكّر لمنع التواصل مع باقي الغرف، جابوني من البيت بالبيجاما والأواعي اللّي لابستهن كل قطعة من بنت”.
حين بدأت بقراءة رسائل العائلة بلّشت تبكي، فرَحة لأنها مش منسيّة. وأوصلت لي رسائل براءة، جنين، فاطمة، حنين، لأهلهن.
حدّثتني بتفاصيل الاعتقال، “اقتحام البيت بعد الطناش بالليل، 17.12.2023. ثلاث سيارات (بوز النمر)، حوالي 30 جندي ومعهم مجنّدتين، كسّروا كل شي بالغرفة، دخّلوني غرفتي وفتّشوني تفتيش عاري، ومن الصدمة نسيت باسوورد التليفون، شغّل الضابط السلاح: يا بتعطيني إيّاه يا بطُخّك، طلّعوني بالبيجاما والشال وما سمحوا ألبس جاكيت أو كلسات. كلّ الوقت صراخ: يا بتفتحي الفيس يا بطُخّك. أخذوا التليفون، اللابتوب، تلفون الشغل، تلفون أبوي وتليفون خربان. عصّبوا عينيّ وكلبشوني وركّبوني ببوز النمر، على أرضيّته، أخذوني لمعسكر وقعّدوني برّا بالبرد وقالوا ممنوع تتحرّكي، إذا بتتحرّكي بنطخّك، أكيد حابّة نطُخّك. ظلّيت للصبح بالبرد. قالولي بطلعلك تحكي مع محامي، ناولني المحقق السماعة وكان على الخط شخص ادّعى بأنه المحامي محمود، ما بعرفه، قلّي: “احكيلهم اللي عندك، إنشا لله خير وسكّر الخط”.
لمّا وصلت الشارون فتّشوني تفتيش مهين، هناك صرت أعيّط، كلّ الوقت مسبّات وضرب ويغلطوا عليّ، إنزلي ع الأرض وقُحّي، ضرب وكفوف على ظهري وكلّ جسمي، بتمسكني السجّانة من شعري وبتهزّني. نمت ع الأرض ولفّيت إجريّ بالشال من البرد.
ثاني يوم كلبشوني من إيديّ وإجريّ وحطّوني بقفص، وركّبوني بالبوسطة 5 ساعات، ووصلت الدامون، كنت مفكّرة إنه سكّر لمّا قريت بوست “صفّرنا الدامون”.
طلبت إيصال رسائل مؤثّرة للعائلة، فرداً فرداً، وخصّت بالذكر رشّود وسلّوم (ولاد أخوتها) وتحن لقهوة عمتها برجيت الصباحيّة.
رغم ذلك افترقنا بابتسامة قائلة: “أنا منيحة، ديروا بالكم على بعض، بس ناقصني شوفتكم. دعواتكم”.
” الرسائل للأسير نَفَسْ ”
عدتُ صباح الأربعاء 7 شباط 2024 إلى سجن الدامون لألتقي بالأسيرة إخلاص صالح حسن صوالحة (مواليد 06.09.1999)، أطلّت مبتسمة بخطى واثقة، ونزلت دمعتها حين لمحت صورة والدتها.
حدّثتني عن زميلات الزنزانة؛ زفّت لي بشرى الإفراج عن 19 أسيرة من غزة، لبست قبّعتها الإعلاميّة وأخذت تصوّر لي وضع القسم؛ 42 أسيرة الوضع كثير سيئ، الغرف بتدلف من السقف والفرشات اللي بناموا عليها البنات بتنبَل، بق كثير والبنات بتقرّصوا، 23 ساعة بالغرفة مع نفس البنات، وحتى لمّا تطلع فورة بتكون معهن، ولمّا في شتا بنكون بالفورة تحت المطر، عزل تام، الأكل سيئ جداً، رز وحمص وفلافل، وتم ترجيع وجبة الأكل أمس بسبب جودته وكميّته فكان رد فعل الإدارة تهديد (ديالا وهناء بالعزل بسبب ترجيع الوجبات)، غالبية البنات عندهن نفخَة وإمساك، الميّة كثير سيئة وبنشوف الصدأ بعينينا، لم تلمس حبّة فاكهة منذ الاعتقال.
حدّتني عن لؤم السجانات، “بفوتوا مع سجائر الكترونية لمجاكرة الأسيرات المدخّنات، أو بيوكلو تشيبس وأشياء زاكية وبيشربوا مشروبات طاقة للمقاهرة”.
حين وصّلتها رسائل العائلة رفّت الدمعة من عينيها، أخبرتني أنّ بنات غزّة “صاروا يعيّطوا لمّا وصّلتلهن سلامات من الأهل”، والرسائل التي كنت أوصلها لها أعطتها الأمل، فالرسائل للأسير نَفَسْ، “الرسائل بتِحييني وبتعطيني أمان، أصعب شي ع الأسير ينتَسى، وهو زيّ العطشان لمّا يشوف الميّة”. الرسائل أثلجت صدرها وفخورة بدور أختها ولاء الإعلامي ومساندتها.
طلبت إيصال سلاماتها لعائلتها وعائلة زوجها ولكلّ من يسأل عنها، وأملت عليّ رسائل للعائلة فرداً فرداً، لهيثم (فرحت حين أعلمتها بزيارة قريبة له في سجن النقب، تناديه: “بابا”) ولزوجها الأسير إبراهيم، ولحمزة العقرباوي، وطلبت إيصال رسائل أهل لأسيل، جراح، فلسطين، براءة، شهد وآية.
معنويّاتها عالية جداً، وأملها بترويحة قريبة، وحين افترقنا همست بحرقة: “اشتقت لرام الله بالمطر، شو جاي ع بالي أشرب آيس كوفي وأنا عم بسمع فيروز”.
“الوضع شوربة”
عدتُ ثانية صباح الخميس 8 شباط 2024 إلى سجن الدامون لألتقي بالأسيرة خالدة كنعان جرار (مواليد 09.02.1963)، وبعد تبادل التحايا حدّثتني عن زميلات الزنزانة، وأخبرتني أنّ هذه الحبسِة تختلف جداً عن سابقاتها، والوضع شوربة.
حدّثتني عن العزل التام، مع باقي الصبايا في السجن وعن العالم الخارجي، حتى حالة الطقس باتت غير معروفة، بقّ ورطوبة وبرد شديد، “ع الفورة بسكّروا الباب وبنشوف بس بنات غرفتنا، فش حوار وكلّ الوقت بقرأ اللّي بسوا واللّي ما بسوا، هاي السجنة أصعب وحدة، بنستنّى الكابوس يخلص”.
في قسم 4 في سجن الدامون 42 أسيرة؛ 9 من الداخل الفلسطيني، 3 من القدس، 30 من الضفّة الغربيّة، والشنط جاهزة.
أوصلت عبرها رسائل أهالي زهرة، براءة، شهد، أسيل، جراح، فلسطين سلامة.
خبّرتني عن أهميّة وضرورة زيارة محامٍ، “النافذة الوحيدة لبرّا”، وطلبت إيصال سلاماتها لغسان ويافا ولكلّ من يسأل عنها ويهتم بأمرها، وتبارك للمى بولادة الحفيد.
وحين افترقنا قالت: “أنا تمام وبنستنّى الترويحة”.
لكُنّ عزيزاتي نفيسة وإخلاص وخالدة أحلى التحيّات، والحريّة لكُنّ ولجميع أسيرات وأسرى الحريّة.
حيفا شباط 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة