“المرأة اللابطل في رواية صمت الفراشات”

خالدية أبو جبل

تاريخ النشر: 04/08/22 | 8:41

“المرأة اللابطل في رواية صمت الفراشات”
قراءتي التي شاركت بها في أمسية إشهار
دراسة د. عزام فؤاد والتي حملت عنوان
“ليلى عثمان
شعرية الرواية النسوية
رواية صمت الفراشات أنموذجا”
في نادي حيفا الثقافي ب 23/6

ارتأيت أن تكون مشاركتي تحت عنوان
المرأة اللابطل في رواية صمت الفراشات
لليلى عثمان، حسب المواصفات والمقاييس التي ساقها د.عزّام في وصف البطل واللابطل في الرواية.في دراسته العميقة والجميلة.
فكما رأى عبد الرحمن منيف في كتابه رحلة ضو
انه مع تزايد أهمية الرواية العربية في المرحلة الراهنة، كونها مرآة للوضع العربي بهمومه ومشاكله وأحلامه، والمُرجح ان تتزايد هذه الأهمية خلال العقود القادمة، شريطة أن تُصبح

هذه المرآة أكثر اتساعًا وصفاءً، بحيث تعكس الواقع والحلم، وتتصدى للمشاكل الاكثر أهمية وإلحاحا، وتُظهر الصورةَالحقيقيّةَ للوضع الذي نعيشه بكل تضاريسِه وأجزائه واحتمالاته.
فإن رواية صمت الفراشات نجحت بأن تكون تلك المرآة الشديدة الوضوح التي نقلت الواقع
بخيباته وأحلامه،
وحسب ما جاء في دراسة د.عزّام فإن رواية صمت الفراشات نجحت بان تكون رواية حداثية
بامتياز، حسب تطبيق عناصر الحبكة الخمسة عليها، وهي الزّمان، والمكان، الشّخصيات، الأحداث، الرّاوي.
وتمّ تصنيف دور المرأة الراوية (نادية) باللابطل
مقابل الرجل البطل ، حيث فشلت ناديه في تحقيق حلمها بالحرية والحب.

لكن هل فعلا فشلت الراوية او نادية او قل الكاتبة إن شئت،
وقد يجوز لي في هذه النقطة بالذات بالمزج

بين رسالة الكاتبة وقضية الراوية ومعاناة البطلة- فهل فشلت تحقيق هدفها ؟
أو هل فشلت في ايصال رسالتها ؟

وقد اعتمدت الراوية في سردها الصدق والفن
والذي قالت من خلاله ان لديها همّا عامًا كبيرًا
تُريد الإبلاغ عنه، وقضية كبيرة تُشغلها وتؤرقها
وترى ضرورة عرضها على الآخرين كي يشتركوا معها في هذه القضية، كان امتلاكها لهذه الرغبة
والقدرة على قول ما يُراد قوله بصدق وشفافية
هو اول درجات البطولة.
فوحدها الراوية من تعلم بيئتها، والمساحة المسموحه للتنفس بها ومقدار ما تستطيع انتزاعه من الممنوع، وهي المرأة اللابطل
المنزوعة السلاح، سلاح الكلام، العلم ، الثقافة
الحب ، الاختيار، الزواج .
كيف لامرأة أُغتيل صوتها منذ الولادة ، وألزمت الصمت، ان تكون بطلة ؟
وكيف لمغتصبة من أخ أن تكون بطلة ولا تكون

منتحرة؟
كيف لمن تساق لمذبح الزواج في الثانية عشره
من عمرها لعجوز خطواته أقرب للموت منها للحياة، أن تكون بطلة؟
كيف لمن تُشعل روحها حبّا لأستاذها ترغب الزواج به وتكوين أسرة، يستغل حبها وبازدواجية الذكر المتغطرسة الذي يحلل ويحرم حسب أهوائه، يحاول التمتع بها جسدا
ضاربا عرض الحائط بمشاعرها، كيف لها الا تكون بطلة الخيبات؟!
كيف لمن حرّرت عبدا بعد ان اغتصبها بأمر من سيده- تعلمه وتشعره بكيانه واهمية قراره،
يرفض الاقتران بها ، لانه ما زال عبدا للعبودية،
كيف لها ألا تحصد بطولة الخذلان؟
كيف لمن ينظر اليها الطبيب المتدين بعين مصلحته لا بعين دينه، فيطردها من المشفى
ويستقبلها في عيادته الخاصة، الّا يجعل منها بطلة الاشمئزاز ؟
هذه العلامات التي تركها المجتمع على جسدها

وروحها جعل من حياتها ماضٍ يأب الغياب،
في ذات الوقت الذي لا يمكنه البوح والكلام .
لتلوذ بالصمت الذي يقرع خزانه صمتٌ آخر ارتدى ثوب العلاج. صمتٌ فرضه الطبيب لشفاء الأوتار الصوتية بعد عملية جراحية صعبة.
نبش بإبرته سيرة حياة حافلة بالخيبات والجروح وما مازجها من رغبات وأحلام.
سردته الراوية من خلال الاسترجاع بواسطة حوار داخلي منح الأشياء والأحداث أحجامها
وملامحها وألوانها… بحيث أُتيح للقارئ تصور الحياة التي كانت وما وقع خلالها من أحداث.
كما تركت الراوية هامشًا لمشاركة الآخرين في تصور ثقّل هذا الواقع، وفهم الدوافع الانسانيّةوالاحتماعية والدينية التي جعلتهم يفكرون ويتصرفون بهذا الشكل ،
وكيف لهم من ازاحته معها، وتزودهم بالجرأة
للتغيير والبدء من جديد.
فهي وإن وجدت الجرأة والقدرة على الكلام
لا تمتلك آليات التغيير وحدها، في مجتمع

رافض ومغلق امام أي حوار ، عدا عن كونها
لا تملك الثقافة الكافية لبناء رؤيا مستقبلية
لتحدد خطواتها او شكل الحياة مستقبلا،
فهي التي عاشت بين جدران قصر لم يعرف من المدنيّة الّا الديكورات والاثاث، وسكنت الصحراء عقول ونفوس أصحابه فعاثت فيها الفساد.
ما كانت مقاومتها الا لنيل ما هو نطاق قوانين المجتمع وشرائع الدين ، وهي بذلك نطقت بلسان حال معظم بنات جنسها ، اللاتي لا يطمعن باكثر من حياة كريمة فيها من الحب والاحترام والعدل ما يؤسس لأسرة سعيدة
ومجتمع متوازن .
فاذا كانت الراوية لا زالت في هذه المنطقة من
الطلبات وعلى بديهيتها صعبة المنال في مجتمع ذكوري ولا أخصّ المجتمع الخليجي بالذات، والّا فكيف نفسر حالات التفكك الأسري
وازدياد حوادث قتل النساء، في دول تدعي الديمقراطية وتتغنى بحقوق المرأة

والمساواة ؟؟
لذا وللاختصار اقول ان الراوية في صمتها لعبت دور البطولة الاكبر وهي اللابطل
وهي التي تتلقى الافعال الخارجية الصادمة ،
وقفت تتحدى بصمتها الذي اتخذ ايضا دور البطولة القصوى حتى تحول اللافعل الى فعل .
من خلال كلمات كتبتها بوضوح بالغ الدلالة
تعبيرا عن هذا العالم الداخلي الموارَ بالحزن والألم.
فكما السمكة في الشيخ والبحر لا تقلُّ بطولةً عن الصيّاد بحضورها الشديد وقوة مقاومتها
فصمتُ نادية بجبروته وببداية نطقه للحروف
أكثر بطولة من سوط السيد العنيف.
قد يكون هذا الصمت المّمتد الى ما نعرفه من زمن والمملوء بالتحدي والغضب، حافزا لروايات جديدة ووقائع حقيقية تفاجئنا بتمرد
وثورة في الغد القريب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة