• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    في رحاب كتاب فكر السّيرة للأستاذ مهنّا الحبيل – معمر حبار

    1. الكتاب هو: “فكر السّيرة” للأستاذ: مهنّا الحبيل، دار المشرق، القاهرة، مصر، 2017، من 270 صفحة، فكانت هذه الملاحظات:

    أوّلا: العربي الحرّ لايخون:

    2. العربي الخائن هو الذي دلّ أبرهة الحبشي ليدمّر مكّة.

    3. عبد المطلب كان ضعيفا لا يملك جيشا ولا سلاحا لكنّه لم يخن وطنه، ولا مجتمعه. وظلّ صامدا في وجه القوي أبرهة وهو الذي يملك قوّة لا يملك عبد المطلب ردّها. ما يعني أنّ الضعف لم يكن، ولن يكون دافعا للخيانة، وبيع الأرض، والعرض.

    4. أقول: المقصود من الملاحظة الأولى، أنّ العربي خان أرضه ومجتمعه ولم يكن مضطرا لذلك، عكس عبد المطلب العربي الذي كان باستطاعته أن يخون لكنه لم يفعل وظلّ وفيا صامدا. إذن نحن أمام عربي خائن دون سبب، وعربي غير خائن وله في ذلك عدّة أسباب.

    ثانيا: عظمة سيّدتنا أمّنا خديجة:

    5. ممّا وقف عليه القارئ المتتبّع عبر صفحات 39- 46، ومن خلال الفصل المعنون بـ “المرأة والرسالة في الإسلام”:

    6. تكمن عظمة سيّدتنا أمّنا خديجة رضوان الله عليها أوّلا في كونها كانت تشرف على تجارتها، وأموالها ولذلك اختارت زوجها بنفسها ولم يعب عليها أحد، وهي السيّدة الثرية الغنية التي ظلّ سادة قريش الأغنياء الأثرياء يرجون، ويسعون، ويتمنون رضاها ولم ينالوه.

    7. المرأة التي تحسن تسيير مالها، وتجارتها، وتحافظ على أموالها لا محالة تحسن تسيير بيتها، وتحافظ على زوجها. ومن هنا كانت عظمة سيّدتنا أمّنا خديجة رضوان الله عليها.

    8. لم يقل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لزوجته خديجة رضوان الله عليها: لا شأن لك بالتجارة، ولم يسطو على مالها وهو الفقير اليتيم المحتاج، وظلّ يسيّر أموالها بطلب منها، وبعلمها، وإشرافها.

    9. عظمة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه أحبّ زوجته سيّدتنا أمّنا عائشة رضوان الله عليه، وظلّ وفيا لزوجته سيّدتنا أمّنا خديجة رضوان الله عليه، فالعظمة أن يجمع الزوج بين الحب والوفاء في نفس الوقت.

    10. عرضت سيّدتنا أمّنا خديجة رضوان الله عليها نفسها على سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وطلبت منه صراحة أن يتزوّجها، وأن تكون له زوجة. وظلّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وفيا لزوجه في حياتها، وبعد مماتها حتّى أن البكر زوجته سيّدتنا أمّنا عائشة وهي الصغيرة المدلّلة في بيت أبيها، وبيت زوجها غارت من شدّة وفاء سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لزوجته سيّدتنا أمّنا خديجة. وظلّ وفيا عظيما ولم يقل لها يوما ما يجرح أذنيها الشريفة: أنت التي عرضت نفسك علي !. وأنت التي سعيت لتتزوجي بي!. لو كنت شريفة ما عرضت نفسك !، وهكذا يكون الزوج العظيم مع الزوجة الشريفة الوفية المخلصة الصادقة التي منحته كلّ شيء.

    11. سيّدتنا أمّنا خديجة رضوان الله عليها أرسلت لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم من يخبره أنّها تريده، وتلك من الصراحة.

    ثالثا: لماذا سيّدتنا أمّنا عائشة عوض سيّدتنا أمّنا خديجة ؟

    12. ينقل الكاتب عن ابن هشام المراحل التي مرّ بها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل نزول الوحي. وممّا وقف عليه القارئ المتتبّع:

    13. الرواية مأخوذة من سيّدتنا أمّنا عائشة رحمة الله عليها، ورضي الله عنها وأرضاها.

    14. سؤالي: سيّدتنا أمّنا خديجة رحمة الله عليه ورضي الله عنها، وأرضاها هي أعلم النّاس أي الرجال والنّساء بتلك الحالة لأنّها زوجه، وتعرف أنّه كان يذهب إلى غار حراء، وأنّ ما كان يراه في المنام يتحقّق كفلق الصبح، وهي التي عاشت الوحي، وأخبرت عمّها بالوحي.

    15. سؤال من جديد: أين سيّدتنا خديجة في رواية تعتبر من حقّها. وهي المقدّمة على غيرها من الرجال والنّساء باعتبارها الشّاهد الأوّل على آثار الوحي التي بدت ظاهرة على سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين عاد من غار حراء لبيته يتصّبب عرقا، وهي التي استقبلته وهدّأت روعه.

    16. هذا التساؤل الذي يطرحه صاحب الأسطر، لاينكر رواية سيّدتنا أمّنا عائشة رحمة الله عليها، ورضوان الله عليها.

    رابعا: وقفة عند حادثة شقّ الصدر:

    17. كتب كثيرة تطرّقت لحادثة “شقّ الصدر” التي تعرّض لها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهناك كتابين يستحقان كلّ التقدير لما امتاز به -في تقديري- على النظرة البعيدة العميقة، ومنها:

    18. الكتاب الأوّل: “فكر السّيرة” للأستاذ: مهنّا الحبيل، والذي يعرضه الآن صاحب الأسطر. وممّا جاء فيه عبر صفحتي 33-34، أنّ: الملائكة الكرام أبقوا على الطبيعة البشرية لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ونزعوا ماهو معارض للطبيعة البشرية كالحقد، والبغض التي لا تتلاءم والإنسان فكيف بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ومن بين الأمثلة التي ذكرها الكاتب وأضفنا لها بعض التفاصيل: ظلّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يكره، ويبغض ما فعله وحشي، و هند زوج سيّدنا أبي سفيان من سيّدنا حمزة بن عبد المطلب يوم أحد لأنّ كره من يقتل عزيزا على النّفس ويمثّل بجسده الكريم من الطبيعة البشرية وفي المقابل لم يحقد عليهما، ولم يعاملهما بالمثل لأنّ الملائكة نزعت من صدره الحقد، والبغض فظلّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بشرا في طبيعته العادية كالحزن، والغضب لكنّه فوق البشر حين نزع منه الحقد والبغضاء، فظلّ سليما معافى من العيوب.

    19. الكتاب الثّاني: “فقه السيرة”، للعالم محمّد سعيد رمضان البوطي، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، الطبعة السّابعة والثّامنة 1979، من 505 صفحة، حيث جاء في الطبعة الثّانية من الكتاب سنة 1968، وأكّده سنة 1979: وليست الحكمة من حادثة شقّ الصدر والله أعلم استئصال غدّة الشرّ، إذ لو كان الشرّ منبعه غدة في الجسم، أو علقة في بعض أنحائه لأمكن أن يصبح الشرير خيرا بعملية جراحية”، ثمّ يعقّب قائلا: “إنّها عملية تطهير معنوي، ولكنّها اتّخذت هذا الشكل المادي الحسي”.

    20. وأبدع العالم محمّد سعيد رمضان البوطي حين اعتبر “حادثة شقّ الصدر” هي وسيلة استعداد لتقبّل الوحي، لأنّ الإنسان ببشريته لايمكنه بحال أن يتقبّل الوحي دون استعداد يناسب ذلك الهول والحالة الصّعبة جدّا التي تفوق قدرات البشر بل لامجال للمقارنة.

    خامسا الرحلة إلى الطائف: نصرة العبد المسيحي:

    21. من الملاحظات التي استوقفت القارئ المتتبّع، وهو يقرأ الجزء الخاص بالطائف: طردت قريش سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم من موطنه مكة، وآذت ابنها، وأساءت إليه. وتنكّرت الطائف العربية لطبيعتها العربية حين رفضت إكرام الضيف الوافد إليها صلى الله عليه وسلّم، وهذه ليست من عادات العرب بل أذته، وحرّضت عليه سفهاءها، وأسالت دمه الزكي الطاهر. ونصارى الطائف هم الذين استقبلوه أحسن استقبال، وقدّموا له أطيب الأكل والشرب. وحين عاد سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمدينته مكة رفض سادتها أن يدخلها، ودخلها تحت جوار كافر لايؤمن برسالته، وظلّ تحت جواره إلى أمد معلوم.

    22. من أسرار هذا الدين الحنيف، أنّ الله تعالى ينصر دينه بأعدائه ومن خارج مكة والمدينة حتّى لايظنّ أحد أنّ له فضل على الدين وحده دون سواه.

    23. العبيد الذين لايملكون حقّ التصرّف في أقوالهم، وأفعالهم هم الذين قذفوا سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالحجارة حتّى أسالوا الدم من قدميه الشريفة، واستقبلوه بوابل من الشتائم، والسباب، والسّخرية، والاستهزاء، والاستهتار حين زار الطائف وطردوه من الطائف، ورفضوا استقباله.

    24. من جهة أخرى لو كان “النصراني العبد” مبغضا لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتراه يقدّم الأكل، والشرب لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم كما طلب منه سيّده. إنّ “النصراني العبد” الذي لا يملك حقّ التصرّف في أفعاله آمن بسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولم يكن كسادة العرب الذين يملكون حقّ التصرّف في أفعالهم حين آذوا سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأرسلوا سفهاءهم وعاملوه بما لايليق بالعدو ناهيك عن الإبن، والأخ، والضيف.

    سادسا: عظمة آل الصّديق في الهجرة النبوية، وسيّدنا علي:

    25. ظلّ سيّدنا الصديق رضوان الله عليه يتولى رفقة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم السياسة الخارجية للدعوة الإسلامية حين استغلّ مناسبة الحج للتحدّث مع القبائل العربية بشأن الدعوة الإسلامية، وانفرد سيّدنا الصّديق. بمهمة “الدبلوماسية”.

    26. من الشخصيات التي ساهمت في إنجاح الهجرة النبوية: سيّدنا علي بن أبي طالب، وسيّدنا عامر بن فهيرة رضوان الله عليهما، وعبد الله بن أريقط الدليل الكافر، هذا من جهة. ومن جهة ثانية شاركت عائلة سيّدنا أبي بكر الصّديق في إنجاح الهجرة النبوية، وهم أسيادنا: الصّديق، وعبد الله بن أبي بكر، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر التي كانت فتاة يومها. إذن آل أبي بكر كانوا من وراء نجاح هجرة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

    27. بكى سيّدنا الصّديق من شدّة الفرح حين أخبره سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه نال فضل الصحبة. وجعل عائلته بأكملها من نسائها ورجالها في خطر، وخاطر بالعزباء، والعذراء سيّدتنا عائشة، وأسماء، وفلذة كبده ابنه سيّدنا عبد الله ووضعهم جميعا تحت تصرف سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يعلم أنّ الموت، والفناء ينتظر عائلته.

    28. يكفي آل الصّديق فخرا أنّهم بنسائهم، ورجالهم لم يفشوا سرّا للعدو، رغم التهديد اليومي الذي كان يحيط بهم والإغراءات الماثلة بين أيديهم.

    سابعا: لم يذكر اسم الخليفة في معاهدات المدينة، ولا الحديبية:

    29. حين دخل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة أبرم معاهدات ضمّت العلاقة مع المهاجرين، والأنصار، واليهود بك وفي حالة السّلم والحرب، والعلاقات المحلية، والدولية.

    30. أشار الكاتب إلى ملاحظة يقف عليها القارىء المتتبّع لأوّل مرّة في حياته وهي: رغم أهمية المعاهدة التي حدّدت حاضر، ومستقبل الدولة الفتية، ورسمت خطوط التعامل مع الداخل، والخارج إلاّ أنّها لم تشمل الخليفة، ولا اسمه الذي سيخلف سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

    31. إذن لاتوجد وصية لأحد باستخلاف سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ما يعني أنّ الخليفة من شأن المسلمين يختارونه بطريقتهم التي تختلف حسب الزمان، والمكان. وإلاّ لماذا لم يضع سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم اسم الخليفة ضمن المعاهدة في عامه الأوّل من الهجرة، ولم يذكرها في صلح الحديبية، ولم يذكرها في المعاهدات التي أبرمها مع الملوك، والدول في أواخر حياته صلى الله عليه وسلّم.

    32. سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يذكر اسم خليفته في أيّة معاهدة مع قريش، أو الأنصار، أو اليهود، أو ملوك الروم، والفرس وغيرهم. مع العلم، المعاهدة في غاية الأهمية، ومن أركان الدولة التي يبنى عليها حاضرها ومستقبلها. إذن لم يذكر سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بصريح العبارة اسم خليفته في معاهدة ذات قيمة، وفي مناسبة عظيمة تحدّد مسار الدولة. وأهمية معاهدة صلح الحديبية تكمن في كونها جاءت في أواخر حياة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكذا الرسائل التي أرسلها للملوك، والتي تعتبر بمثابة معاهدة، ورغم ذلك لم يذكر فيها اسم خليفته بصريح العبارة. أقصد بخليفته أي أنّه لم يذكر أسيادنا الصّديق، وعمر، وعثمان، وعلي رحمة الله عليه، ورضوان الله عليهم جميعا. ما يدل على أنّ الخليفة من شأن المسلمين وهم الذين يحدّدونه بطريقتهم.

    33. المهم أنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يذكر اسم رئيس الدولة، ولا اسم الخليفة من بعده، وفي أهم وأعظم المعاهدات التي تحدّد مسار الدول، والمجتمعات في الحاضر والمستقبل.

    34. لم يذكر اسم أسيادنا الصّديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي لأنّ الخليفة من شأن المسلمين يختارونه بالطريقة التي تناسب زمانهم، ومكانهم ولا يفرض عليهم من الأرض، أو السّماء. ومن جهة ثانية لايفرض الحاكم باسم وصية، أو قرابة، أو عائلة، أو صحبة.

    ثامنا: سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأسيادنا الصحابة يقبلون جوار سيّدتنا زينب لزوجها الكافر:

    35. وأنا أواصل قراءة كتاب: “فكر السّيرة” للأستاذ: مهنّا الحبيل، استوقفتني هذه الملاحظات:

    36. سيّدتنا زينب رضوان الله عليها بنت سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم تفدي زوجها “أبو العاص بن الربيع” وهو على شركه يوم “بدر” حين كان أسيرا.

    37. وتجير زوجها “أبو العاص بن الربيع” وهو على شركه حين دخل المدينة ليلا.

    38. يطلب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم من أسيادنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعا إن أرادوا ذلك – نعم إن أرادوا ذلك – أن يطلقوا سراح “أبو العاص بن الربيع” زوج ابنته سيّدتنا زينب رضوان الله عليه وهو على شركه وكفره.

    39. سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقبل جوار ابنته سيّدتنا زينب رضوان الله عليها وهي زوج “أبو العاص بن الربيع” وهو يومها على كفره وشركه، ويطلب منها: “أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له”.

    40. سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يطلب من أسيادنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، أن يردوا الأموال والمتاع لـ” أبو العاص بن الربيع” زوج ابنته سيّدتنا زينب رضوان الله عليها وهو على شركه وكفره، أثناء إحدى السرايا التي استولوا فيها على قافلة “أبو العاص”.

    41. أريد أن أقول من خلال هذا العرض بطريقتي وبأسلوبي، أنّ: اختلاف العقيدة لايمنع من حسن الأخلاق، ورفعة الآداب وسمو المعاملة، بل تبقى الأخلاق العالية قائمة سواء من اتّفق معه المرء أو اختلف معه في العقيدة.

    42. لايقول قائل أنّ هذه المعاملة الحسنة والسّامية خاصّة ببنت القائد، وزوج بنت القائد. إنّما هي عامة لجميع المسلمين، ثمّ إنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم طلب منهم -أقول طلب منهم- بصفته الأب الحنون بأدب، واحترام أن يجيروا، ويقبلوا فداء الأسير الفار “أبو العاص بن الربيع”، إذا أرادوا ذلك -أكرّر، إذا أرادوا ذلك- ، ولم يأمرهم ولم يفرض عليهم، وهو رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلّحة.

    43. لو رفض أسيادنا الصحابة رضوان الله عليهم طلب -أقول طلب- سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم المتمثّل في قبول الفدية، والجوار للمشرك الكافر “أبو العاص بن الربيع” زوج ابنته، ما أنكر عليهم القائد سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأنّها تدخل ضمن نطاق “البشرية” التي تقبل الأخذ والرد وليس “الرسالة والنبوة والوحي” التي لا يمكن أن يتقدّم عليها المرء أو يتأخر، والأمثلة على ذلك كثيرة عديدة.

    تاسعا: دروس من صلح الحديبية، وغزوة مؤتة:

    44. مما وقفت عليه وأنا أواصل قراءة كتاب: “فكر السّيرة” للأستاذ:

    45. الضغوط التي مارستها قريش لمنع سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لكي لا يدخل مكة لأداء العمرة، كان الغرض منها الحصول على صفقة ومكاسب بالتعبير المعاصر وأن تحفظ ماء الوجه، لأنّ العرب لا تمنع حاجا ولا معتمرا ولا قاصدا بيت الله الحرام.207

    46. بعث سيّدنا عثمان بن عفان رضوان الله عليه مبعوثا لقريش من قبل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. مايدل على اتّباع طريقة الهجوم والشروع في المبادرة، وبعدما فشلت قريش في نجاح مبعوثيها من قبل. 210

    47. حين كانت قريش قوية أرسلت قائدها “عمرو بن العاص” مفاوضا إلى الحبشة لاقتياد المسلمين، وحين كانت ضعيفة أرسلت الحكيم “سهيل بن عمرو” مفاوضا إلى سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لعقد “صلح الحديبية”. 211

    48. تنازل سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لسهيل بن عمرو في بعض بنود صلح الحديبية لأنّه كان يراها شكلية مقارنة بالغايات الكبرى، والعظمى التي ستتحقّق، والتي تحقّقت فعلا. ما يدلّ على عظمة المفاوض، وقوته وبراعته. 211

    49. كان صلح الحديبية علامة على أنّ الحرية عامل أساسي في انتشار الإسلام، ووضعية المسلمين خلال عامين كانت أفضل من حيث زيادة العدد، والقوة مقارنة بما سبقها من سنوات.212

    50. بعد صلح الحديبية تفرّغ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليهود خيبر بسبب خيانتهم. ما يعني أنّ مواجهة الصهاينة تتطلب حالا، وفورا التوقف، والتّخفيف من حدّة الصراعات العربية-العربية التي أنهكت العرب، وجعلتهم لقمة سهلة للصهيوني. 214

    51. تكمن عظمة سيّدنا خالد بن الوليد رضوان الله عليه في كونه أخذ قيادة جيش “مؤتة” بعد استشهاد القادة الثلاث، وظهور علامات الارتباك على الجيش. واستطاع بمهارته العسكرية الخارقة أن ينقذ الجيش عبر طريقة “الانسحاب” التي اتّبعها لأنّ غاية جيش “مؤتة” لم تكن مواجهة الروم ولا الدخول معهم في مواجهة إنّما الغرض هو توجيه رسالة إلى الروم أنّه بإمكاننا أن نصل إلى حدودكم ونقلقكم، وأنّنا لسنا بالضعف الذي تتصوّرون. ولذلك كانت خطّة “الانسحاب” من مظاهر النصر والقوّة. ويكفي سيّدنا خالد بن الوليد وهو الجنرال القوي أن استقبله سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم والقائد الأعلى للقوات المسلّحة استقبال المنتصرين، والفاتحين. 226

    52. لم تكن غزوة مؤتة للمواجهة والقتال، إنّما كانت لتمرير رسالة مفادها: “توجيه رسالة إلى الروم أنّه بإمكاننا أن نصل إلى حدودكم، ونقلقكم، وأنّنا لسنا بالضعف الذي تتصوّرون”.

    عاشرا: ختاما:

    53. ممّا وقف عليه القارئ المتتبّع وهو يقرأ كتاب “فكر السّيرة” للأستاذ مهنّا الحبيل، أنّ عظمة الصّديق رضوان الله عليه فوق ما كان يتصوّر ولذلك كتب مقال بعنوان: “عظمة سيّدنا الصّديق من خلال حادثة الإفك[1]”. وهو الذي تعوّد من قبل أن يتحدّث عن سيّدتنا أمّنا عائشة رضوان الله عليها من خلال حادثة الإفك التي نالت براءتها من السّماء.

    [1] راجع من فضلك مقالنا: ” عظمة سيّدنا الصّديق من خلال حادثة الإفك”، وبتاريخ: الأحد27 محرم 1440 هـ الموافق لـ 7 أكتوبر 2018.

    الشلف – الجزائر
    معمر حبار

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.