• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    الغربة والخُردلّه .!

    يوسف جمّال – عرعرة

    بلادي وان جارت علىَّ عزيزة — وأهلي وان ضنوا علَّ كرام
    هذا البيت الشعري الذي تعلمناه منك – يا معلمي – في حصة المحفوظات , تعابير وجهك وأنت تخوض غمار معاني البيت الشعري القاءاً ومعاني ,كنت كأنك في معركة تحدّي , أحياناّ تعلو وتشتد نبرات صوتك , حتى تجعلنا نشعر أنك تقودنا الى معركة مصيرية ,وأحياناَ تستكين , فنشعر أنك تؤمُّ فينا في رحاب الوطن .
    كنا نشاهد صوره على الألوان والتضاريس , التي كانت ترسمها كلمات ومعاني القصيدة على صفحات وجهك .
    حملت صورك ورنين صوتك وأنت تلقي القصيدة , معي الى كلِّ محطات سفري , كان زوادة لي في ساعة جوع , خشبة نجاة في حوّامة غرق , ومْضة ضوء في موجة ظلام!
    ولكن لأول مرة أجده , عاجز عن إخراجي من دائرة دوامتي , وإرشادي الى برِّ الأمان .
    أنا – يا أستاذي – غارق في بئر هموم من المستحيل – مهما حاولت – ان تصل الى قاعه .. في مفترق تشابكت فيه المسارات والتمزُّ قات, لا أدري من أي طريق أسلك , ولأي مسار أتجه .
    أرجوك – يا أستاذ – ان لا تكتب لي رداً على رسالتي هذه ..لا أريد منك ان ترشَّ الملح على جراحي ..لا أريدك ان تقطع آخر الحبال التي وضعتها أنت في جعبتي , وما زلت أحتفظ بها ..لا أريدك ان تجعلني أفقد الأمل في العثور على مجداف قديم ,على أمل أن يسعفني في حوام متاهاتي .
    وسأحكي لك في رسالتي هذه, قصة جدتي رشيدة ..
    رجع جدّي محمود من الروحة, بعد شاهد عصابات اليهود تقترب من حقول البلد ,وتهدِّد الفلاحين .
    وصاح بجدّتي وهي “قاعدة ” على لجن الغسيل :
    – يا رشيدة حضِّري حالك .. أنتِ وألأولاد .!
    – لوين بدنا انروح يا أبو حسين .!؟
    كانت هذه المرة الأولى , التي تسأله عن أسباب أوامره لها وطلباته منها .
    فصرخ بها والغضب يتفجَّر من عينيه :
    – الى جهنم .! بنا نرحل .! بنا نلحق الّي رحلوا من قبلنا . اليهود قرَّبوا على البلد يا رشيدة .!
    كانت هذه المرة التي يجيب على سؤال توجهه اليه .
    فتركته, وهجمت على أبنائها ” أبيك وعمتك ” ,واحتضنتهم وصاحت به :
    – أنا وأولادي لن نترك هذا البلد .!
    – رشيدة .! زعق من “قحف ” رأسه كالمجنون..
    انتفضت, وقرِّبت أولادها على صدرها أكثر , جاعلة من ظهرها جدار حديدي يحميهما منه .
    – طيِّب .! أنا بسبقكم .. ولما بلقى دار تأوينا , برجع آخذكم .!
    قال بعد ان استنتج انه لن يستطيع زحزحتها عن إصرارها .
    “ممكن لما تشوفي اليهود” تقتنعي” .! ” أكمل وترك البلد .
    ولم يرجع .!
    لا أدري.. لماذا قرَّرت ان أحكي لك قصة جدتي .. ألأنها اختارت البقاء , وأنا اخترت ان أرحل ,لأعيش في بلاد المهاجر.!؟
    ترعرعت- أنا وأجيالي- في وطن تشوه , حتى أصبح غريباً عنا ونحن غرباء عنه , يتشَّرح ويتقطَّع وينزف كل يوم أمام أعيننا وفي نفوسنا, وشعرنا أنه تحوَّل الى دائرة من حبل “مصيص” تلتفُّ حول أعناقنا , تضيق شيئا فشيئا, حتى باتت قريبة من خناقنا.!
    فرحلنا الى بلاد تدمنك على كاسات تنسيك الغربة , فتعيش فيها سكران, فإذا صحوت تعود الى متاهات الشتات .!؟
    كان معي ابن عمي .. “ذَهَبتْ ” القروش التي كانت معنا في أيام قليلة , فطردنا صاحب “الوكر” الذي استأجرناه لنبيت فيه ورمانا في الشارع .
    وأصبحت حاويات القمامة, هي مطعمنا الذي نأكل منه ,لم نكن الوحيدين الذين يقصدون هذا المطعم “السخي” , فقد تعرَّفنا هناك على الكثيرين – من الذين مثلنا- تركوا وطنهم, وهاجروا الى وطن جديد, يبحثون فيه لقمات , فلم يجدوها إلا في حاويات القمامة , ” فعلمونا ” النوم في أنفاق المترو, ومؤسسات الصدقة ,والإغتسال من حنفيات الحدائق العامة.
    وسأحكي لك -أستاذ – قصة أخرى من قصص جدتي..
    كان جدّي يرسم دائرة كبيرة في الحقل , ويأمر جدتي ان تبقى فيها , لا تخرج منها , إلا بعد ان يرجع من صلاة الجمعة في مسجد القرية .. فتطيعه وتمتثل لأوامره , فلا تخرج منها إلا بعد ان يعود الى الحقل .!
    واستولى اليهود على الأرض , واستشهد أبي في الدفاع عنها , ووجدت جدَّتي نفسها تلقِّط سنابل القمح والشعير من وراء الحصادين , كي تطعم أحفادها ..
    وأشبعتنا من ثمرات الوطن : الخبيزة والعلك والفرفحينا والعكوب والزعتر وأخواتها .
    ودارت في البراريى تحتطب نار برد الشتاء ووقود طابون الخبز, فذاقت المرَّ من العسكر ,الذين كانوا يحمون الشجر والشجيرات ,”ويقتلون ” قوت الناس وأرواحهم .
    كانت تقول لأمي دائماً : أنت خليكي عند الأولاد وأنا بسرح .!.
    أنا- يا أستاذي- لا أريد أن أثقل عليك في تفاصيل ,كيف حققت هنا في الغربة , كلَّ ما حلمت به : شهادة جامعية , بيت في حارة راقية , زوجة أمريكية تعمل معي في نفس شركة البرمجة التي أعمل فيها , أولاد رائعون , معارف وأصدقاء ..
    والآن – عرفت لماذا رويت قصة جدتي .!؟
    هي وقفت وتحدَّت السجان ,رفضت الغربة .. تحمَّلت كلَّ عذابات الظلم ..
    غربة الوطن تحملتها.. ولكنها رفضت ان تعيش في غربتين .. فثارت .!
    سؤال واحد أدمنت أن الحَّ عليها أن تجيبني عليه , في السنوات العشر التي عشت معها :
    “ألم تخرجي من الدائرة ,التي رسمها لك جدِّي في الحقل .. ولو مرة .!؟
    وقبل رحيلها بأيام ,دخلت الى غرفتها , فأشارت ألي أن أقترب منها.. وطلبت مني ان أدنو من الباب , لتتأكد من أن الجو خال لنا ,وما من أحد قادم باتجاه الغرفة, ليدخل اليها فيفسد علينا خلوتنا , ولما عدت الى جوارها ,بدأت تحكي قصتها بهمس .. الى أن وصلت الى الدائرة :
    ” نعم كنت أخرج من الدائرة .. كنت أنتظر جدَّك حتى يبتعد عن , فأغادر الحقل وأمشي حتى أصل الى ” عين التينة ” فأشرب من مائها ” وألقِّط ” ضُمَّة خرْدلِّة وأقرُطها على مهلي .. أنا – يا ستي- “بموت” في خردلِّة “عين التينة”..!
    روت الجزء الذي يحكي خبر خروجها من الدائرة , بعد ان شدَّت رأسي وقرَّبت أذني من فمها , وخفَّضت صوتها الى الأقل من الهمس , وكأنها تخاف ان يسمعها جدّي في تربته .!
    أتعرف – يا أستاذ – ماذا فعل بيَّ ابني سليم ابن السادسة أمس ,عندما خرجنا لنلعب في ساحة اللعب .!؟
    أوقفني على رجل واحدة , ورسم حولي دائرة , وبدأ يعد ليختبر مقدار تحملي .. بناء على المدة الزمنية الذي أستطيع ,أن أصمد فيها على رجل واحدة في داخل الدائرة .!
    أستاذي- أما زالت “عين التينة” تنبت الخُردلِّة .!؟
    أنا ” بموت” فيها .!

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.