الأغلى

تاريخ النشر: 29/05/15 | 13:11

في مملكة بعيدة،تحيطها الغابات والأنهار، وتُزنّرها الورود والأزهار، عاش ملك حكيم تخطّى عتبة السبعين من الأعوام.
وكان لهذا الملك ابنة وحيدة تُدعى “وهج السنين” مَنّ الله بها عليه في كبره قبل عشرين سنة، وحباها جمالاً أخاذا وحِسّاً رهيفاً وفكراً نيّراً.
احبّ الملك ابنته حُبّا ًشديداً وخاصةً وأنها فقدت أمها وهي بعد صغيرة، فأضحى بالنسبة لها الاب والام، فعلّمها وهذّبها على أيدي أعظم المُفكّرين ورجال الفن ّوالذوق الرفيع.
طار صيت جمال وحكمة الاميرة “وهج السنين” الى المشارق والمغارب، فوفدَ الى مملكتها الأمراء والملوك من كلّ حدب ٍ وصوبٍ، والكلّ يبتغي رضاها ويطلبها زوجةً له. جاؤوها مُحمّلين بالهدايا النفيسة والجواهر واللآليء، فردّتهم وهداياهم بلطفٍ وبسمة جميلةٍ قائلةً: لم يحن ِ الوقت بعد!!
تعجّب والدها الملك وسألها مُستفسراً: ماذا تُخبّئين يا بُنيتي ؟ لقد جاءك أعظم واشرف الملوك والامراء وأنت ترفضين….مَن تنتظرين وماذا يدور في رأسك الجميل هذا؟
ولمّا الحّ عليها بالسؤال، ألقت برأسها الصغير على ركبتيه وقالت: قد تتّهمني يا أبي بالحماقة، ولكن هذه هي الحقيقة
فقد رأيت في منامي شابّاً من أبناء مملكتنا، وسيم الطّلعة، طيّب الأخلاق، فقير الحال، يمشي حافياً ويلبس ملابس رثّةً. هذا الشّاب يا ابي، هو ما أريده وما تصبو اليه نفسي وروحي، شاب جميل من بلادي ومن أهلي، شريطة أن يترك كلّ شيء….ماضيه وأهله وكلّ ما له ويأتي ويسكن معي في القصر الكبير.
ضحك الملك الشيخ وربتّ على كتفها قائلاً: لقد كبرتِ في عينيّ يا بُنيتي، كبرتِ كثيراً، الان استطيع ان اودّع َهذه الدّنيا وانا مُطمئن.
مرّتِ الايام والقصر ينتظر الشابّ الوسيم الحافي القدمين، ولكن دون جدوى، الى ان خطر للملك خاطر لطيف نفذّه في الحال، فقد اخذ خَاتَم ابنته الاميرة وهج السنين والمحفور عليه اسمها، وطلب من ببغائه الذكية ان تحمله ملفوفاً بمِنديل ٍليلكيٍّ وتطير به ليلاً أينما يروق لها وترميه فوق بيت من بيوت المملكة.
وفي اليوم التالي ارسل الملك المُنادين الى كلّ أرجاء المملكة يحملون الخبر الآتي:
” يا سُكّان مملكة المحبّة العظيمة، قرّرت سموّ الاميرة وهج السنين ان لا تقترن إلا بشاب من مملكتها، فعلى كلّ شابّ ان يُفتّش سطح بيته، فأن وجد مِنديلاً ليلكياً وفي داخله خاتَم الاميرة يكون الحظّ قد حالفه، فعليه ان يترك حالا ًكلّ شيء، أهله وأحباءه وماضيه، ويأتي كما هو الى القصر لتُزفّ الاميرة له في حفلٍ مَهيب.
لم تمضِ ساعة حتى حضر الى القصر شابّ وسيم الطّلعة، أليل العينين، يلبس رثّ الثياب ويمشي حافياً وطلب مُقابلة الاميرة وهج السنين. فما إن رأته الاميرة حتّى تأكد لها انه هو هو الذي رأته في المنام.
ابتسم الشّابّ الفقير بحَياءٍ وانحنى أمامها احتراماً وقال: سيدتي حُلم كلّ شاب ّفي المملكة وخارجها ان يحظى بالاميرة الفاتنة وهج السنين زوجة له، فجمالكِ واخلاقك ِتاجان ِ يُزيّنانِ المملكة والأنوثة على مرّ التاريخ، ولكن يا سيدتي هناك في الخارج، خارج القصر شيء هام جدّاً يشدّني ويمنعني من هذه الفرحة، وتحقيق هذا الحلم….أرجو المعذرة..وها انا أعيد لك ِخاتمك الأميري والحزن يُقطّع قلبي.
اعطي الشابّ الفقير الاميرة خاتمها والدموع تنهمر على وجنتيه، واستدار نحو البوّابة خارجا وسط ذهول الاميرة والحاضرين.
لم تُصدّق الاميرة ما تسمع، ولم يقنعها جواب الشابّ الفقير، فأيّ شيء في الخارج يشدّه أكثر من الاقتران بأميرة البلاد الوحيدة؟!!
وهي على ما عليه من الجمال والأخلاق والعزّ!
أومأت الاميرة الى الجُند أن يلحقوا سِرّاً بالشابّ ويأتوها بالخبر اليقين عن مكان سُكناه.
وفي المساء، عاد الجنود يحملون الخبر.
تخفّتِ الاميرة وهج السنين بثياب شابّ فقير وتركت ِ القصر مُتوجّهةً نحو كوخ الشابّ، ولمّا وصلته رأت ضوء قِنديل شاحب يلمع من ثقوب الكوخ، فقرعت بابه بلطف، ففتح لها الشابّ الفقير ودعاها الى الدخول بعد أن تظاهرت بانها مُتسوّل يبحث عن مكان يبيت فيه ليلته.
استقبل الشابّ ضيفه استقبالاً حافلاً ودعاه ليشاركه وامّه العمياء العجوز طعام العَشاء البسيط.
و كم كانت دهشة الاميرة كبيرةً حين راح الشاب الفقير يُلقم امّه بيديه ويسقيها بلُطف وحنان، فلم تتمالك نفسها وكشفت عن سِرّها وهي تقول: منذ زمن وأنا ابحث عن امّ، وها قد بعث لي الله بها، فهيّا معي الى القصر، فأني نادمة على شرطي القاسي الذي اشترطته…فقد كبرتَ في عينيَّ.
عانق الشابّ امّه وهو يبتسم للاميرة وقال: الحمد لله…الحمد لله فقد حقّق الله دُعاءَك ِلي يا امّاه..
وبعد ساعة واحدة اقتربت ظلالٌ ثلاثة أشخاص متعانقين ودخلوا بوّابة القصر الكبير الذي شعّ بوهج الحبّ والوفاء والأنوار!!

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة