• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    رمضان الصفوف والليالي والعيون

    قبل أن يرحل رمضان هذا العام أرغب ان أبلغ رسالة لكل أهل رمضان، وأهل القران، وأهل القيام، وأهل الصدقات، وأهل ابواب الخير، إن كان رمضان ينتهي زمانا فان الايمان يبقى في حياتنا، فان ذهبت ليالي رمضان فليلة الرباط باقية، وان غادرنا خشوع رمضان فعين الحراسة قائمة، وان ضعفنا عن صف الصلاة فان صف اللقاء يقوينا، واقصد بهذا ان روح رمضان مستمرة فينا نحو حياة ايمانية كريمة.

    زكاة بلا نصرة
    أن قراءتي لمعاني شهر رمضان الايمانية والاخلاقية بما يتزامن مع ظروف المرحلة الحالية وأحوال المسلمين أجد أن شهر رمضان مدد أخلاقي لمشاريع الأمة الاسلامية في الوقت الذي نهتم به أن نوزع الزكوات والصدقات على الفقراء والمساكين واذ نحن نستشعر ذلك واجبا وفرضا…لا ننسى الفرض والواجب الاخوي والرحم الاسلامي في حديث النبي عن أَبي هريرة رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسول اللَّه: “الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ” قَالَ الْعُلَمَاء: الْخَذْل تَرْك الْإِعَانَة وَالنَّصْر، وَمَعْنَاهُ إِذَا اِسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْع ظَالِم وَنَحْوه لَزِمَهُ إِعَانَته إِذَا أَمْكَنَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر شَرْعِيّ ” ولا يسلمه لعدوه وظالمه ليقضي ويجهز عليه، يقصف بيته، ويقتل طفله، ويهدم مسجده، ويستغيث ولا مغيث، ينادي ولا مجيب، ويصرخ وبالاذان صمم، يطلب ولا متصدق، ويستنجد ولا معطي…. اعطوا الزكاة ومنعوا نصرة المسلم، تصدقوا بالمال ومنعوا اعانة المسلم، افتوا بمسائل الزكاة والمعاملات وامتنعوا عن افتاء المضطهد والمنكوب والمحاصر بالدعم…ان ارادت الامة النصر لا بد لها أن تجمع بين زكاة مالها ونصرة ضعيفها، وبين صدقة صيامها واعانة مظلومها، وبين انفاق ملايينها واغاثة منكوبها، وبين زكاة معادنها وذهبها وصيانة ابنائها المرابطين، فنحن في رمضان علينا أن نحسن صدقة النصرة والإعانة والإغاثة كما نحسن صدقة المال وزكاته.

    صّفٌ وصّفٌ
    ومن قراءتي لاجتهاد المسلمين في عبادتهم وحرصهم على اداء الصلاة جماعة صفوفا، المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم، والكتف بالكتف، ويقول امام الصلاة مذكرا : أَحْسِنُوا إِقَامَةَ الصُّفُوفِ، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، تَرَاصُّوا، رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، وَحَاذُوا بين الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، لا تَخْتَلِفْ صُفُوفُكُمْ فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، كما ورد في حديث عبد اللَّه بن عمر – رضي الله عنهما – أَنَّ رسول اللَّه قال: “أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنَّمَا تَصُفُّونَ بِصُفُوفِ الْمَلاَئِكَةِ، وَحَاذُوا بين الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا في أيدي إِخْوَانِكُمْ، وَلاَ تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ الله – تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ الله”وقوله:” ثَلَاثٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ : الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلصَّلَاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلْقِتَالِ”.
    ونحن في رمضان اجتمعت الصفوف في الصلاة واللقاء والرباط وقيام الليل فأي الصفين ألزم !! وأي الصفين أقوى !! وأي الصفين أقرب !! وأي الصفين أروع !! وأفهم من الجمع بين الصفوف: صف الصلاة مدد لصف اللقاء، وأن صف الصلاة روح يسري في صف اللقاء، وان صف الصلاة ثبات لصف اللقاء…. فيا أمة محمد ويا أئمة مساجدها ويا علمائها يا من تذكرّون الناس بتسوية الصفوف ولا يجوز أن يخرج أحد عن صف الصلاة فلماذا يجوز للحكام وبعض العلماء وبعض الامراء وبعض الاعلاميين وبعض السياسيين الخروج عن صف الامة والرباط واللقاء خدمة للباطل واهله…الم يقراوا قول الله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) الم يستوعبوا ما قاله قتادة : “أَلَمْ تَر إِلَى صَاحِب الْبُنْيَانِ كَيْف لَا يُحِبُّ أَنْ يَخْتَلِف بُنْيَانُهُ، كَذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ أَمْرُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالِهِمْ وَصَفِّهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ “.
    فاذا كانت اقامة الصف من حسن الصلاة، فان نصرة صف اللقاء من حسن الولاء، وإعانة الصف من عمق الاخوة، وسد الخلل من ضعف الوحدة، المنكب بالمنكب، ولا تذروا فرجات للشيطان يقوض الانجاز والانتصار، ولا تتركوا الشيطان يلعب بالصف فيبطل صلاة المرابطين والمنافحين، فلا شيطان سيسي، ولا شيطان دولار، ولا شيطان اغراء، ولا شيطان الضغط العربي، ولا تتركوا فرجة ولا فرصة للشياطين التي تمردت وخانت وغدرت بالقضية والحق الفلسطيني.

    لَيْلَةٌ ولَيْلَةٌ
    ومن قراءتي لتفاضل الازمنة والامكنة ومنها الليالي والايام كليلة القدر عن غيرها ” مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ” حيث يعود نفعها على صاحبها، بخلاف حراسة ليلة في يوم خوف.. وتأمل معي عن ابْن عمر ، قال :أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ حَارِسٌ حَرَسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَلَّا يَؤُبَ إلَى أَهْلِهِ ” وهي ليلة خير من ألف شهر عبادة وقيام، فهناك ليلة أفضل منها وخير منها من سهر ليلة يحرس الناس ويحميهم، وهذا فعل متعدي، نفعه الى الاخرين وتأمَّل في موسى – عليه السلام – وقوله: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وقول يوسف – عليه السلام – ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ وهما يُقدِّمان خدمة لآخرين، وليلة اللقاء والحراسة والرباط على ساحل الشام وبوابة الاقصى وغزة هاشم وتقديم الأمن والأمان خيرٌ من ليلة القدر رغم انها عظيمة، وافهم عني هذا القول : “ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبُّ إليَّ من أن أعتكِف في هذا المسجد – مسجد المدينة- شهرًا” ومن أفضل الاعمال “إدخالُك السرور على مؤمن؛ أشبعتَ جوعتَه، أو كسوتَ عورتَه، أو قضيتَ له حاجة” فليلة القدر مدد إيماني لليلة اللقاء، ليلة القدر دعاء ومناجاة في المحراب لليلة الحراسة في الساحة والميدان، وليلة القدر صلة ورحمة لليلة الحراسة اثرا وامنا.

    عَيْنٌ وعَيْنٌ
    ومن قراءتي لمشهد التدبر والتأثر من آيات الله وهي تتلى على مسامع القلوب قبل الاذان فينساب اثرها وتظهر علامتها بعين دامعة حانية خائفة وهي التي اخبر عنها النبي “عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ” وحق للعين ان تبكى خوفا من الله، وتبكي حبا لله تعالى، وتبكى خوفا من ذنوبها وتقصيرها، وتبكى خشية من الله تعالى في صلاتها ودعائها ومناجاتها ومحرابها وقيامها وفي خلوتها وعزلتها، وما اجمل هذه العين الخاشعة الدامعة الواجلة يزداد جمالها لبكائها على نفسها لا على دنيا تصيبها ولا لذة تفوتها ولا شهوة تقضيها، فهي عين كريمة وقريبة وأمينة وحبيبة للرحمن…وقد شاهدنا مشهد الخاشعين البكائين في صلواتهم، وسمعنا اصوات الائمة وأنينهم في دعائهم… فهل العيون الباكية تتحول الى عيون حارسة ؟ وهل العيون الخاشعة تنقلب لعيون ساهرة في سبيل الله ؟ وهل العيون الدامعة ستبيت تحرس الاسلام واهله من الكفر؟ “وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” فاليوم نبتت في الامة العين الثانية، عين باتت تحرس حرمة الاسلام والدين، وحرمة الاوطان والايمان، وحرمة العباد والبلاد، وحرمة المساجد والساجد، وحرمة الشهداء والجرحى، فمن يرعاها من الخيانة الاقليمية !! ومن يحفظها من العور السياسي !! ومن يصونها من النفاق الدبلوماسي !! ومن يحميها من الدساس والخناس السيسي !! ومن يقف معها بالباع والذراع يرفع معنويتها ويدفع عنها الباطل دفعا !! والله لا يسامح التاريخ من يسعى لخرابها وتدميرها ونسف رؤيتها، فهي عين ستة على ستة ومن احسن العيون واجملها.
    فهي تحيا بنفس مطمئنة واثقة قوية وثابتة لا يعتريها وهن ولا خور، ولا اضطراب ولا قلق، سكن قلبها بالإيمان واليقين ودعائها كدعاء بعض السلف: اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك.
    ويقول ابن القيم في مدارج السالكين: “والطمأنينة سكون أمن في استراحة أنس… والطمأنينة مأخوذة من الإقامة يقال: اطمأن بالمكان والمنزل: إذا أقام به وسبب صحة هذا الأمن المقوى للسكون: شبهه بالعيان بحيث لا يبقي معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه….. ولا ريب أن المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه واطمأن بمشاهدة العوض وإنما يشتد به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثواب وقد تقوى ملاحظة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة..”.
    تقبل الله منا ومنكم الطاعات

    الشيخ محمود اغبارية
    رئيس لجنة نشر الدعوة القطرية
    وكل عام وانتم بخير

    m7modeghbarih

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.