“قمح الأرض ونشيدها الخالد” في رواية “بيت النملة” للروائية الفلسطينية أماني الجنيدي

تاريخ النشر: 19/04/20 | 10:33

“قمح الأرض ونشيدها الخالد”

في رواية “بيت النملة” للروائية الفلسطينية أماني الجنيدي

بقلم الأسير: كميل أبو حنيش

ربما تكون إحدى محاسن الأسر أنها تُبقيك على تماس دائم مع الكتاب، يتيح لك المجال في المُتاح أن تكون على اطلاع على ما يصدر من إبداعات ينتجها العقل البشري من انتاجات فكرية، فلسطينية، ثقافية، سياسية وأدبية …الخ ولهذا يحرص الأسير، إذا كان قارئا، على متابعة كل ما يصدر من هذه الإبداعات خاصة في الساحة الفلسطينية، لا سيما الإبداعات الأدبية منها، فطوال السنوات الماضية تسربت إلى عالمنا المغلق عشرات الإصدارات الأدبية لأقلام شابّة مبدعة وواعدة وإحدى هذه الإبداعات الروائية الفلسطينية أماني الجنيدي.
.
طالعت قبل عشر سنوات عدداً من إصداراتها ، منها مجموعة القصصية بعنوان (رجل ذكي ونساء بليدات) ورواية (قلادة فينوس)، أما روايتها (بيت النملة) الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الشروق سنة 2014 ، فقد طالعتها قبل أكثر من أربع سنوات. لم أتردد في مطالعتها ثانية لأنها من الروايات القليلة التي تترك أثرا في القارئ لتحثّه على معاودة تأملها من جديد، وهذه المرة بعيون ناقدة ومتفحصة، فأجدها لا تزال تحافظ على سحرها وجمالها رغم تقادم السنوات.

تمتاز الرواية بأسلوبها الخاص والجذاب، إذ تشدك لغتها الواثقة والانسيابية والعذبة والتي لا تخلو من مسحة شاعرية ساحرة وغير مكبلة بالهواجس . تروي حكاية المكان والأزمنة المتعاقبة عليه، بلغة شفافة، كما تمتاز بمزيجها الساحر بين الواقعي والفنتازي، الجدّي والساخر، الإحساس بالتاريخ ، الانتماء للأرض والتراب والتمسّك بالهوية، حيث تشق الرواية طريقها الوعرة من دون أن تفقد البوصلة وتمشي على حد سكين، غير أنها تعرف الطريق التي تشقها جيداً.

تنقلنا الرواية إلى عوالم فسيفسائية ضاجّة بالألوان وتختلط فيها الأزمنة، تفوح من بين سطورها رائحة التراب وعبق التاريخ والقيم والحب والطبيعة والنايات والروح الوطنية والإنسانية، من دون الانزلاق إلى مربع التعصب وكأنها تروي حكاية الأرض بحيادية.
تملك الروائية حس الدعابة التي اختارتها مدخلا لروايتها لتغذ خطاها ببطء وتنطلق إلى معالجة قضية المكان في أزمنة مختلفة.
تخلو الرواية من لغة الأحقاد والكراهية. هو نص متصالحٌ مع نفسه لا يحمل على كاهله عقد التاريخ، لا يدعي المسلمات الجافة، فكانت رواية سلسة وخصبة تروي عن الحب والصراعات والآلهة والطبيعة والتاريخ بأسلوب شاعري حالم. الأبطال متصالحون مع أنفسهم ومع هواياتهم ومع انهم وقعوا ضحية للصراعات والعذابات.

فإبراهيم الذي عيره زوج خالته بأصله نجده يهتف بحبه لجدته اليهودية (أحببت جدتي البعيدة مئيرا وأحببت نفسي. يعجبني أن جذوري تمتد إلى أعماق متباينة)، وهذا ردٌ بليغ على سدنة العنصرية والكراهية. إذ لم يشعر بأي عار من أصول جدته اليهودية الفلسطينية الأصل “مئيرا” لأنها تعبق برائحة الأرض وتفهم لغة القمح ومعنى الطاحونة والبيت. فهو منسجم مع ومع هويته ( أشعر بأنني ممتنٌ لهذه الحياة التي منحتني هذا القلب) وهذا العاشق يشكل امتدادا للعشاق في هذه الأرض ويفهم الفارق في الحب ( الفرق بين أن تحب الجمال الذي تحمله المرأة، وأن تحب المرأة التي تحمل هذا الجمال)، وهذا ينسجم مع الرسالة التي أرادت أن توصلها الرواية بأن عشق المرأة التي تحمل هذا الجمال يشبه عشق الأرض التي تحمل هذا الجمال وإلا فإن المرء يسهل عليه تبديل أوطانه فقط لأن ثمة بلاد أجمل من غيرها.

أما تالا المنحدرة من أسرة أثقلتها النكبات ورحلة اللجوء، فإنها بقيت وفية للمكان، وأمينة في البحث عن طاحونة الجدة، والحرص على استرداد بيت القطمون والجاكيت الأزرق الذي حاكته الجدة. أما ناي عينون الكنعاني وحبيبته بيرا، فإنه يرمز للنشيد الخالد في التاريخ الذي يؤكد هوية الأرض. والذي لم يكن بوسع الغزوات التي توالت أن تطمسه، وتحجب صدى أنفاسه المنبثق من أعماق الزمن.

عينون وبيرا يلخصان هوية الأرض والالتصاق بها، تنطوي هذه الهوية على الحب (فالحب هو الطاقة السحرية التي تحرك الكون وكل عمل دون حب سدى)، فهذا العاشق (لا يريد أن يموت الحب بسهم جبان) لأن (الحب هو انتصار الحكاية، وأرض كنعان ، أرض التين والزيتون والقمح والعنب . أرض الأبجدية والأديان، حملت في ترابها الرسائل لثورتها لأبنائها على مر العصور (ازرع الأرض ولا تجوع) ، (قمحك سلاحك)، (الحجر في مكانه قلعة)، فزرعوا الأرض ولم يجوعوا وكان قمحهم أقوى سلاح، فلم ينسوا الأرض ولا رائحة التراب، وظلوا أوفياء للمكان (فالنهر لا ينسى ولا يخون) وأبناء هذه الأرض لا ينسون ولا يخونون وليسوا مثل المستوطنين المستعمرين الذين قدموا على حراب حلم “هرتسل” الاستعماري، ليعيثوا في الأرض فساداً ويمزقوا أهل المكان إلى هويّات دينيّة وقوميّة تتصارع وتقود إلى الويلات والنكبات.

تعيد الرواية التأكيد على البقاء والصمود ويتعين على الفلسطيني أن يتعلم من دروس خطيئة الهجرة (فالخطأ أن تهجر بيتك مرة أخرى)، كما تعيد التأكيد على أهمية الأرض والتشبث بها والعودة لاستصلاحها وزراعتها (فإن ماتت سنابلها سنموت)، فالفضيلة هي زراعة الأرض والالتصاق بها وعدم هجرها لصالح المستعمرين، لأن (أول فضيلة من فضائل الالتصاق بالأرض. امتلاك القدرة على فعل الحلم)، بهذا كان الأحفاد إبراهيم وتالا خيرُ مثل للصمود والتشبث بالأرض والبيت والهوية إلى أن انتصروا. فقد انتصر إبراهيم على المستعمر الأبيض واسترد بيت القطمون.

أجل انتصر برصاصة ولحن، بعد أن تسلح بالحلم. في هذا البيت كان النمل يقاوم المحتلين لأنه ببساطة تذوق قمح البلاد فعرف كيف يقاوم ويتكاثر في البيت، لينغّص حياة المستعمرة التي احتلته، فهؤلاء المستعمرون الغرباء يريدون بيوتاً بلا نملٍ أو عصافير أو حمام أو حتى أفاعٍ، لأنهم لا يفهمون لغة المكان. ببساطة لقد حمت النملة البيت وقاومت بطريقتها الخاصة.

إن رواية “بيت النملة” تنتمي للأدب الفلسطيني المقاوم وتشكل امتداداً لمدرسة غسان كنفاني. تحمل في طياتها إحساساً إنسانياً وأخلاقياً سامياً، تنأى بنفسها عن التكلف، تنحاز للأرض والإنسان بطريقة شاعرية شيقة تبعث على الارتياح، وتوصل رسالتها بكل شفافية ووضوح.

بقلم الاسير الفلسطيني الكاتب كميل ابو حنيش
سجن ريمون الصهيوني

***من الجدير بالذكر أنّ الرواية وصلتنا خلف القضبان، مع روايات ودواوين أخرى، من
خلال مشروع “لكلّ أسير كتاب” للمحامي الحيفاوي حسن عبادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة