• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    وقفات في ديوان ” وأقطفُ صمتَ التُّرابِ الجميل” للشاعرة الفلسطينية فاتن مصاروة

    وقفات مع الشعر الفلسطيني الحديث
    الحلقة الثامنة
    الوطن والإحساس بلغة التراب
    في ديوان ” وأقطفُ صمتَ التُّرابِ الجميل”
    للشاعرة الفلسطينية فاتن مصاروة
    بقلم الأسير: كميل أبو حنيش

    للشاعرة الفلسطينية “فاتن مصاروة” مفرداتها الخاصة وإحساسها المرهف في التعبير عن عشقها للوطن وشواطئه وحقوله وجباله وتاريخه، وهذه الألفة وهذا الإحساس يتجلى من نصوص ديوانها (وأقطفُ صمتَ التُّرابِ الجميل) الذي تسرّب إلينا إلى عالم السجن وأتاح لنا أن نكون على تماس مع هذه النصوص الطافحة بالوطن ورائحة التراب وحقول القمح والمواسم والفصول والأغنيات والشموع والأمنيات الجريحة والأحلام الكبيرة. تنبئ هذه النصوص بنشيد التراب الذي يروي تاريخ البلاد وإن كان بلغة الصمت الذي أصفت إليه الشاعرة بإحساسها المفعم بالانتماء والحب والتماهي مع كل مفردة من مفردات الوطن.
    وتمتاز هذه النصوص بالإنسانية والشفافية، كما أنها متماسكة وحارة العاطفة، ولا تلجأ الشاعرة إلى الرمزية العالية، بل تنهل مفرداتها من الطبيعة من حولها وتطغى على هذه النصوص لغة القرية لا المدينة، حيث الحقول والأمطار والأشجار والأزهار والمواسم والفصول والبذار، بوصف الشاعرة ابنة قرية نشأت وترعرعت بين الأشجار، والسفوح والوديان والطيور، وإحساس الفلاح وعلاقته بالأرض، حيث بدت النصوص مشبعة برائحة التراب ومواسم الفصول. وبهذه الوقفة سنحاول تسليط الضوء على بعض هذه النصوص وما تحاول من إيصاله من رسائل.

    أولاً: رسالة الوطن وهوية التراب:
    تتردد في هذا الديوان العديد من النصوص المعبرة عن انتماء وحب الشاعرة للوطن، وتمثلها لأوجاعه وجراحاته النازفة وتبرز في نصوصها عددا من المدن الفلسطينية، وتخص مدينة حيفا أكثر من غيرها كرمز تختصر فيه الوطن والبلاد. ففي قصيدة (لم أكن إلا نشيداً) تهتف الشاعرة من أعماقها:
    لم أكن إلا نشيدًا في حناياكَ
    وأحلامَ جديلةْ
    وطني
    تروي مواويلَ البلادِ المستحيلة
    وتحاكي شغفَ القلبِ جوىً
    يحرقني
    وأراني
    ازرعُ الحبَّ بساتينَ وعشباً سرمدياًّ
    وزغاريدَ لحيفا عانقت صمتاً شجيّاً
    يحملُ الحلمَ طيوباً….. ياسميناً
    طافحاً بالصَّرَخات الماطرة
    صرخاتٍ أينعت ناياتُها نوراً وعطراً
    في سماء الناصرة (39)
    تحاول الشاعرة بهذه القصيدة التماهي مع الوطن وتاريخه وأحلامه وأمانيه وجراحاته. وتطرز الشاعرة هذا النص بعدد من المفردات الدالة على الرابط العاطفي والجمالي مع الوطن (النشيد، الأحلام، والمواويل، شغف القلب، الجوى، الحب، البساتين، الزغاريد، الياسمين، العناق، الطيوب، المطر، النايات، النور، العطر، السماء…….الخ). واختارت حيفا والناصرة كمكانين يرمزان ويختصران الوطن.
    وفي قصيدة (وأقطف صمت التراب الجميل) تستحضر الشاعرة المزيد من المدن الفلسطينية التي بعثرها وفرّقها الاحتلال لتعيد نسيجها ولحمها في جسد الوطن، كما وتزين هذه النصوص بالمزيد من المفردات الدالة على الحب وعلى الشعور بالألم والحسرة على ما يحل بالوطن:
    أنا من صرخاتِ الياسمين المدمّى
    يراودُ جرحُ الحقيقة صوتي
    وصمتي يجدّل في الأفق غيماً
    مكمّمةٌ بالصّراخ الكفيف أنايَ
    وأدرك دربَ المواويل في الأبدِ المعنويّ حسامًا
    وسهمًا
    فأعزِفُني في انسكاب الأغاني
    وأعزفني في شحوب الأنين
    لأعتقني من مرايايَ في أغنيات الجليل (41)
    وليس بوسع الشاعرة التعبير عن الحب المجرد للوطن، من دون استحضار جراحاته وصرخاته، فأغنيات الوطن طافحة بالحزن والأنين، وربما أنها متماهية مع الوطن وترابه وحقوله وأشجاره فإنها باتت جزءً من لحنه وأغنياته (وأعزفني في انسكاب الأغاني، وأعزفني في شحوب الأنين).
    وتواصل التأكيد على هذا التماهي:
    أنا من عرائس حيفا
    وبسمتُها
    قمحُها لونيَ المستحيل
    أمرّ على جرحنا في الحقول
    وأقطف صمتَ التّراب الجميل (42)
    وبهذا النص الجميل تحاول الشاعرة تمثّل صدى الأزمنة والتاريخ، في تراب الوطن والأحقاب والعصور التي مرت وتعاقبت عليه ورغم ما مر عليه من احتلالات ونكبات، بقي التراب ينطق بحقيقة هوية البلاد وأهلها وتاريخها وثقافتها التي لم يكن بالإمكان طمسها، وبقي التراب والحقول والأشجار والبساتين والقمح وأسماء المدن والبلدات ينطق ويروي لغة أهلها ولم تفلح الغزوات في تغيير معالمها وتستأصل جذورها وهويتها.
    وتكمل الشاعرة القول:
    وأدنو من الحب في عزلتي وأقول:
    سلاماً
    سلامٌ من الغائبين
    سلامٌ من العائدين
    سلامٌ من العالقين بدمع القرى
    سلامٌ من الحبقاتِ شذا للقلوب الغريقة
    من شامنا لفلسطيننا
    لبلاد الرّعاة الأباة
    رعاة الحياة
    وناياتُهم تتعطّرُ لفحَ الحنين
    سلامٌ
    ندى صبرِنا في سماء الخليل
    سلام على حجرٍ قام يُلغي الرحيل (42)
    وهذا النص يؤكد على الصمود والتشبث في الأرض، ويغني للحياة والانسجام مع الهوية، ثم تعود الشاعرة لحيفا التي اختارتها رمزًا للوطن:
    عشقي لكَ بالمطلق
    أنا ألثم عيني حيفا
    قدميها
    كفّيها
    ساحلَها
    وأرتّب حزنَ بلادي في زورق (48)

    وتبلغ ذروة الحب والانتماء للوطن كما في هذا النص:
    قالوا: وطني ضاع
    قلتُ:
    نصاعةُ بسمتِه الآن
    تتلو وطني (91)
    رغم ما حلّ بالوطن من احتلال ومصادرة ومحاولة اجتثاث للإنسان الفلسطيني، إلا أن الصمود والإصرار على البقاء، حافظت على الهوية الفلسطينية العربية للبلاد، ولم يكن بمقدور الغزوة الاستعمارية الصهيونية طمس هذا الوجود الذي بقي أشبه بالبسمة على ثغر الوطن.

    ثانيا: الأحزان الذاتية والوطنية:
    تنطلق الشاعرة من البوح بأحزانها الذاتية وتربطها بالأحزان والهموم الوطنية العامة. ففي قصيدة (مضى لحياة الغياب) تحاول الشاعرة المزج بين الهم الخاص والهم العام، وبين الآلام والدموع وبين الآمال والأحلام، حيث تقول في أحد نصوص هذه القصيدة :
    كـأنّي أخبّئُ بين السّطورِ دموعي (25)
    وهذه الدموع التي تذرفها الشاعرة على شكل حبر، لا تكفي حالة الأمل والتفاؤل في قادم الأيام، كما في هذا النص:
    كأنّي أخبّئ بين الفصولِ شموعي (25)
    وبهذا تسعى إلى إيقاد شموع الأمل في المستقبل وتتفاءل بأن ثمة ربيع بعد فصول الجفاف والشتاء.
    وإيمان الشاعرة بحتمية تبدل الظروف، ينبع من إيمانها بقدرية الحياة، وقيمة تغير الواقع وكأنها تقرأ كفاً كما في النص:
    كأنّ حروفي تُردّد حزني بكفّ اللّغات
    وكفّي بنخلتِها عارفة (26)
    هذه الكف التي تشير إلى الطالع، أي المستقبل وإن كانت تنبئ بلغة الحزن إلا أنها تشبه النخلة الباسقة الخضراء وهي ربما إشارة إلى شجرة الحياة دائما خضراء رغم ما يمر في التاريخ الإنساني من ويلات وكوارث. وهذا النص الذي يستبطن الحزن والألم يشبه ما قاله محمود درويش في أحد قصائده:
    تعودت كفي
    على جراح الأماني
    وكما هو معروف فإن جراح الكف لا تلتئم بسهولة وتحتاج إلى وقت طويل لتشافيها .
    ولا تكف الشاعرة عن استحضار لغة الحزن والشعور بالاغتراب في نصوصها كما في قصيدة (صَخَبُ القهوة):
    وأنا أفتح للعُزلةِ نافذتي
    أمضي لنشيدي في موج الحسرات
    ألهو برحابةِ فوضاي
    أرتّب حزني سُحبًا بين الصّفحات (34)
    وفي العزلة يطيل الإنسان من تأملاته، ويعيد استحضار أحزانه وخساراته. تفتح الشاعرة نافذة العزلة لتطل من خلالها على حياتها وأفراحها وأحزانها وأحلامها كما تتأمل الواقع من حولها، وفي العزلة التي يفر إليها الإنسان بهدف ترتيب أوضاعه، وكما وصفتها الشاعرة برحابة الفوضى من الهموم والإحزان المتكدسة التي تحاول ترتيبها واعتصارها والتخلص من بعضها بعد إطالة النظر فيها.
    ولدى الشاعرة أشكال متعددة لهذا الحزن، تبوح ببعضها كما في قصيدة (نظرتي)
    نظرتي
    يجرحها الصّمتُ وسيف الانتظار
    كلّما لوّحتُ للأرضِ وأوجاعِ البذار
    لأسيرٍ هزَّ جذعَ الملحِ والماءِ
    وعن أمعائهِ الخضراء
    راحت تقطفُ الدّمعاتِ خجلى
    وتقولُ: الآن يا نصرُ تجلّى
    فغداً حرّيّة الشمسِ صهيلُ الأمنيات (44)
    وفي هذا النص تبدو الشاعرة متماهية مع الهمّ الوطني الذي تتابعه بترقب وحزن وصمت. لكنه الصمت الذي يختزن الغصب حول ما يجري على الأرض من احتلال وقتل وترويع ومصادرة وقمع، وتُعرب عن تضامنها القوي مع الأسرى الذين يخوضون الإضرابات عن الطعام ويجسدون بأمعائهم الخاوية الانتصارات، وهذه الانتصارات الصغيرة على السجّان تحمل في أعماقها الأمل بسطوع شمس الحريّة على الوطن.
    وتواصل الشاعرة الغناء الحزين للوطن كما في قصيدة (مقام الوطن):
    هاتِ حفنةَ ضوءٍ في كفّك
    واصعدْ علياءكَ والمعنى
    خذ حزني وغنائي
    فرحي وندائي
    واعزف على النّبضات مقامَ الوطن… (47)
    ليس بوسع الشاعرة أن تتجاهل معاناة الوطن والممارسات اليومية التي تنتهجها سلطة الاحتلال. فكيف بالإمكان الغناء للوطن وهو يحمل هذه الأوجاع من دون أن يكون هذا الغناء نابضاً بالحزن؟ لكنّه حزن يحمل بين طيّاته الأمل، وهذا الأمل والفرح والإيمان، بأن انعتاقه وحريته قادمة لا محالة وهذا الأمل تُسطّره الشاعرة في قصيدة (صخب الرّذاذِ أنا):
    صخب الرّذاذِ أنا
    وما يرتدُّ من بعضي على خصر الحقولِ هنا
    سيوقدُ رغبةً خضراءَ في شَغفي
    ويُشعلُ يقظَتي
    وسط اكتمالِ البدءٍ
    وجهًا للقصيدةِ والبذار(28)
    وفي هذا النص تتماهى الشاعرة مع الأرض والطبيعة، فالمطر يشعل الأمل بانتهاء فصل الجفاف والخريف، وينبئ بقدوم الربيع وهو ما يحفز الفلاح أن يتهيّأ للبذار، لأنّه لا يكفي أن ينتظر المطر بدون أن يُهيئ الأرض للزراعة، وإلا فإنّه لن يحصد سوى خيبته، ولن يقطف سوى المزيد من الفقر والجوع.
    وفي هذه القصيدة (أهتدي لبياض صوتي) تبدو الشاعرة متماهية تمامًا مع الأرض ومفردات الطبيعة:
    “مدّي يديكَ وعانقيني يا أنايَ الماطرةْ
    فلعَلَّ عطرَ الياسمينِ بمائكِ الضّوئِيّ
    يأخذُني إليَّ
    لأهتدي لبياضِ صوتي،
    لهفتي وسكينتي،” (36)
    تتشبّث الشاعرة بأناها الأخرى، الماطرة والمتفائلة والقوية للتغلّب على الأنا الأخرى الجافّة والمتشائمة والضعيفة وتستحثّها أن تجود بالمزيد:
    “جودي بأمطارٍ وأزهارٍ وأسرارٍ وأشجارٍ وبوحٍ من قُبلْ” (37)
    وهذا العطاء الطبيعي والتلقائي الذي تجود به الأرض والطبيعة والأنثى سيثمر ويؤتى أكله:
    “جودي
    لتصهلَ بين عينيكِ القرنفلتينِ
    روح مواسمٍ كانت وتبقى زاهرة…” (37)
    وتواصل الشاعرة التفاؤل في المستقبل، ولكن ذلك مشروط بإعلاء صوت الغصب كما في قصيدة
    (أوجاع دُفلى):
    “أقدُّ بِصمتي ظلالَ السَّوادِ
    أغنّي
    وصوتي البداية…” (88)
    إنّ هذا الغناء يُبشر بالإعلان عن كسر حالة الصمت، ومغادرة حالة الإذعان والتخاذل، وهذا النص يأتي استكمالاً لنصوص أخرى، تشبه في هذا الديون في بث حالة الأمل والتحدي وصرورة مغادرة مربع اليأس والانكفاء.
    ***
    إن هذا الديوان الذي وقفنا على بعض نصوصه، يحمل بين دفتيه بذوراً واعدة في رحلة تطوّر النص الشعري الفلسطيني، ويتعيّن علينا الإشارة إلى ثمّة قسم آخر في ذات الديوان، أطلقت عليه الشاعرة (ومَضاتٌ من الدمع) ويتضمن هذا القسم بومَضاته المتوهّجة نصوصًا جميلة تحتاج إلى وقفة أخرى ولا يسعنا إلا أن نعبّر عن اعتزازنا بالشاعرة “فاتن مصاروة” التي أتحفتنا بهذه النصوص الرائعة ونتمنى لها المزيد من التقدّم والإبداع.

    الأسير الفلسطيني كميل أبو حنيش
    (سجن رامون الصحراوي)

    ***من الجدير بالذكر أنّ الديوان وصلنا خلف القضبان، مع روايات ودواوين أخرى، من خلال
    مشروع “لكلّ أسير كتاب” للمحامي الحيفاوي حسن عبادي

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.