• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    عبدالله ذو البجادين

    كان عبد الله رجلاً من مُزَيْنَةَ، يتيماً في حِجْرِ عمّه، فكان يُعطيه، وكان مُحسِناً إليه. فبَلَغَ عمّه أنّه قد تابَعَ دينَ محمّدٍ، فقال له: لئنْ فعلتَ وتابعتَ دينَ محمّدٍ، لأنزعَنَّ عنكَ كُلَّ شيءٍ أعطيتُكَ، قال: فإنِّي مُسلمٌ، فَنَزَعَ منهُ كُلَّ شيءٍ أعطاهُ حتَّى جَرَّدَه من ثوبه، فأتى أُمَّه فقَطَعَتْ بِجاداً لها باثنَيْنِ، فاتَّزَرَ نصفاً وارتَدَى نِصفاً، ثُمَّ أصبحَ فصلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، الصُّبحَ. فلمّا صلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم تصفَّحَ الناسَ ينظرُ مَنْ أتاهُ وكان يفعلُ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا عبدُ العُزّى، فقال: أنتَ عبد اللهِ ذو البِجادَيْنِ، فالزَمْ بابي. فَلَزِمَ بابَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكان يرفعُ صوته بالقرآن والتسبيحِ والتكبيرِ، فقالَ عُمَرُ: يا رسولَ الله، أَمُراءٍ هُوَ؟ قال: دَعْهُ عنكَ، فإنّه أحدُ الأوّاهينَ.
    وعن ابنِ مسعودٍ قال: لكأنِّي أرى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلّم في غزوةِ تبوكَ، وهو في قبرِ عبد الله ذي البِجادَيْن، وأبو بكرٍ وعمرُ يُدلِّيانه، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: أَدْنِيا منِّي أخاكُما، فأخذَه من قِبَلِ القِبْلَة حتَّى أسندَه في لَحْده، ثُمَّ خَرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم، وَوَلِيا هُما العمل، فلمّا فرغا من دفنه استقبلَ القِبْلَةَ، رافعاً يديه يقول: اللهمَّ إنّي أمسيتُ عنه راضياً فارضَ عنه. قال: يقول ابنُ مسعودٍ: فواللهِ لوَدِدْتُ أنِّي مكانَه، ولقد أسلمتُ قبلَه بخَمْسَ عَشْرَةَ سنةً. وقد رُوِيَ من طريقٍ آخر، قال: فقال أبو بكر: وَددتُ أنِّي – واللهِ – صاحبُ القبر)!!
    1. التعريف:
    عبد الله ذو البِجادَيْن: هو عبد الله بن عبد نَهْم بن عفيف بن سُحَيْم من مُزَيْنة. كان عمّه يُحسِنُ إليه فيُعطيه ويكسوه، حتى إذا سَمِعَ أنّه أسلمَ جرَّده من كُلِّ ما كان يُعطيه، حتى من ثوبه. فذهبَ إلى أُمّه فأعطتْه بِجاداً وهو كساءٌ غليظٌ، فقسَمَه قسمَيْن ارتدَى بأحدهما واتَّزَرَ بالآخَر، وقَصَدَ رسولَ اللهِ في مسجدِهِ صلاةَ الصبح، فلمّا صلَّى الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم وتصفَّح المصلين، رآه. ولعلّه استغربَه، فسألَه مَنْ أنتَ؟! فقال: أنا عبدُ العُزَّى وذَكَرَ أمره، فقال الرسول: أنتَ عبدُ اللهِ، ولقَّبَه بذي البِجادَيْن. ومن يومها لَزِمَ بابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورافقَه في غزوة تبوك، حيث استُشْهِدَ رضي الله عنه فيها.
    2. المعاني:
    مُزَيْنة: إحدى قبائل العرب، منها زهير بن أبي سُلْمَى الشاعر الكبير أحد أصحاب المُعلَّقات، وولده كعب صاحبُ قصيدة البُرْدة يعتذر فيها رضي الله عنه، للرسول صلى الله عليه وسلم عمّا بَدَرَ منه بحقِّه. حجر عمّه: كفالته، والحِجر: الحِضن. وتابعَ دينَ محمد: أسلمَ. لأنزعنّه: لأسترجعنَّ ما أعطيتَكَهُ. جرَّدَه من ثيابه: سَلَبَه ثوبَه. ائتزَرَ: من الإزار، وهو ما يلفُّه الرجل على وَسَطه فما دون. الرداء: ما يلفُّه من وسطه فما فوق. مَنْ أنت: عرفَ أنّه رجل جديد في مسجده. عبد العُزَّى، العُزّى: الصنم، وقد كان إلهاً مشتركاً بين قريش وثقيف، فكرِهَ الرسول هذا الاسم فسمّاه عبدَ الله. غزوة تبوك: لملاقاة الروم ، وذلك في العام التاسع للهجرة. يُدلِّيانه: يُنزِلانه في القبر.
    3. ما يستفاد من الخبر:
    ‌أ. شدّة حقد المشركين على الإسلام وعلى مَنْ يدخل فيه إلى درجة أنْ لا يَوَدُّوا أنْ يُبقوا عليه شيئاً أو يذروه له من حُطامٍ أو مالٍ أو لباسٍ، كما فعلوا مع ذي البِجادَيْن هذا، رضي الله عنه.
    ‌ب. تحسُّس صاحب الأمر في الإسلام مَنْ يُحِسُّ منه التوجّه إلى الإسلام والاهتمام به. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُصلِّي ذو البِجادَيْنِ الصبحَ معه في المسجد، فيلحظه ويتوجّه للتعرّف عليه، ثُمَّ يضمّه إلى مجتمعه بكُلِّ حُنُوٍّ وترحابٍ.
    ‌ج. الإسلامُ دينٌ متكاملٌ، وتامٌّ جميلٌ شكلاً ومضموناً، وطيِّبٌ لا يقبلُ إلاّ الطيِّبَ، لأنّه دينُ الله. ومن هنا فقد كان من سُنَّته صلى الله عليه وسلّم أنْ يسعى لتغيير الأسماء غيرِ الجميلة مِمَّنْ يدخلُ حظيرته إلى الأسماء الحَسَنَة، كما غيَّرَ هنا اسم ذي البِجادَيْن من عبدِ العُزّى وهو الصنم الحجر الذي لا يضرُّ ولا ينفع إلى عبد الله ربِّ العباد الذي بيدِه ملكوتُ كُلِّ شيءٍ.
    ‌د. حُبِّ الرسول صلى الله عليه وسلّم لأصحابه رضوان الله عليهم الحُبَّ الجَمَّ، ورعايته لهم الرعايةَ الكُبرى. فعندما توفِّيَ ذو البجادَيْن في تبوك حزنَ عليه حزناً شديداً، وصلَّى عليه وأبَّنه، وشَهِدَ دَفْنَه ودَفَنَه بيده، مُعلِناً رضاه عنه سائلاً اللهَ جلَّ وعلا أنْ يرضى عليه، وقد رضيَ عنه قائدُه الملتزم بأمر الله المُنفِّذ لأحكامه.
    ‌هـ. ما أجملَ هذه الكلمة التي أطلقَها رسول الله على ذي البِجادَيْن، وهو يطلبُ من أبي بكر وعمرَ رضي الله عنهما، أنْ يُسلِّماهُ إليه، بقوله: أَدْنِيا منِّي أخاكُما. ولعظمة هذه المنزلة له عنده عليه الصلاة والسلام، تمنَّى أبو بكر وعمر أنْ يكونا محلّه، وفي رواية تمنَّى ذلك ابنُ مسعودٍ، وهم جميعاً مَنْ هم منزلةً ورِفعةً في الإسلام والسبقِ إليه.
    ‌و. نال ذو البِجادَيْن هذه المكنزلةَ الرفيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسبقَ الكثيرينَ من السابقينَ إلى الإسلام قبله بالعديد من السنوات، لأنّه هَجَرَ الدنيا وهَجَرَ أقرباءَه المُشرِكينَ، ورَضِيَ أنْ يكونَ بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صفِّه ومن جماعته، على قلة ذات اليدِ حتَّى من اللباس يسترُ الجسمَ!!

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.