• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    صار للعيد مذاق آخر

     

    حين شربت قهوتي الحيفاويّة صباح الجمعة، فاجأتني زوجتي سميرة: ما دُمتَ مهتمًّا بما يكتبه السجناء وبأدب السجون، فلماذا لا تزور كميل وغيره ممّن يكتبون؟ راقت لي الفكرة وقرّرت فعلًا زيارتهم قُبيل عيد الفطر، وبعد التجربة شعرت بأنّ صار للعيد مذاق آخر.

    منتصب القامة يمشي
    غادرت حيفا السابعة والنصف صباح الاثنين، عشيّة عيد الفطر، لزيارة أسير في سجن ريمون الصحراويّ. انتظرت في غرفة المحامين فأطلّ أحمد سعدات منتصب القامة. التقيته للمرّة الأولى، لا شعوريًّا وقفت لمصافحته وعناقه لكنّي شعرت فجأة ببرودة الحاجز الزجاجيّ الفاصل، رغم حرّ صحراء النقب، كان حديثنا عبر سمّاعة الهاتف الحديديّة الصمّاء الجافّة.
    تبادلنا أطراف الحديث فجاء مثقّفًا لأبعد الحدود، تحليلاته مدروسة ومنطقيّة، ملمّ بكلّ شاردة وواردة، بعيدة عن الشعاراتيّة، متجذّرة بأرض واقعنا المرير.
    تحدّثنا عن الكتابة خلف القضبان، الأسير يكتب بمشاعره وأحاسيسه ويتوق لسماع صدى كلماته على أرض الواقع، عن أهميّة التعدديّة وضرورة النقد البنّاء والموجّه، عن الانقسام الفلسطينيّ المقيت، وأمور أخرى.
    كلّمني بثقة، شموخ ومعنويّات ناطحت السحاب أثلجت صدري وأزالت عناء ومشقّة السفر… وجلافة السجّان.
    حين غادرت جدران السجن وركبت السيارّة رافقتني كلمات سميح القاسم وصوت مارسيل خليفة:
    منتصب القامة أمشي
    مرفوع الهامة أمشي
    في كفّي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي
    وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي
    كعك العيد
    تعرّفتُ إلى الأسير كميل أبو حنيش عبر رواياته التي تناولت بعضها، ورتّبت لزيارته قبل العيد.
    أعدّت زوجتي سميرة علبة كعك وطلبت توصيلها لكميل.
    وصلتُ سجن ريمون الصحراوي ساعات الصباح والتقيت حال وصولي بالأسير أحمد سعدات وكان عليّ انتظار نهاية طقوس عدّ الظهيرة للقاء كميل. طالت ساعات الانتظار لتزامن الأمر مع زيارة عائليّة، فضّلتُ الانتظار على حرمان أخيه فؤاد من رؤيته عشيّة العيد بعد طول انتظار.
    واجهني بابتسامة عريضة وقبلات عبر “الحاجز الزجاجيّ” المقيت. كنتُ قرأت عنه الكثير واليوم أشعر ببرودته للمرّة الأولى. حقًا، كان صقيعًا رغم حرارة حزيران في صحراء النقب، فجاءتني ساعتئذٍ كلمات الراحل عبد الرحيم محمود التي تدعو إلى الابتسام في وجه الحياة مهما كانت الصعاب:
    إن تَجِد بابَ الأماني مُغلقاً لا تُكشِّر أو تلُم من سكّرَه
    إنّ بوّابَ الأماني مرِحٌ يبغضُ اليأسَ ويخشى الكشَرَة
    فتبسَّم يا عزيزي
    تحدّثنا كثيرًا عن كتاباته ومشروعه الأدبيّ القادم، قتل فراغه بالقراءة والكتابة ليتغلّب على الفقد والحرمان واستبداد سجّانه. الابتسامة تلازمه كلّ الوقت متحدّثًا عن الجهة السابعة، الفصل الخامس والعين الثالثة، عن الانبعاث والأمل بالحريّة القادمة لا محالة رغم محكوميّته بتسعة مؤبّدات… سألني كميل عن شعوري ساعة لقائه فأجبته بعفويّة ما سمعته من جلال الدين الرومي: “ما ضرّك لو اطفأ هذا العالم أضواءه كلّها في وجهك ..ما دام النور في قلبك متوهّجا “..
    أخبرتُه عن كعكات سميرة “المحجوزة” في غرفة الاستقبال فهي تخضع لفحوصات أمنيّة، إداريّة وقانونيّة بخصوص إدخالها وإيصالها لك، وكم كانت حسرتي حين غادرت السجن وعلبة الكعك بيدي… والله حرام!!!

    فكّر بغيرك

    إعتدت أن أبدأ كلّ عيد بزيارة الأهل، وأخواتي الأربع في القرية، وهذا العيد لن أزورهنّ صباحًا بسبب زيارة عاصم. اتصلت بهنّ في طريقي لمعايدتهنّ وفكّرت بمعاناة عاصم ورفاق دربه خلف القضبان، لا يستطيعون معايدة الأهل أو لقياهم في عيدهم، يغيّب الموت أقاربهم وأحبّتهم دون وداع. تلقّيت 314 رنقيّة (رسائل نصيّة) معايدة عبر الهاتف خلال طريقي للُقياه ولم أردّ على أيّ منها لأنّ تفكيري انحصر بعزل عاصم. قبل يومين زرتُ الأسير كميل أبو حنيش وحين سألني عن مشقّة السفر من حيفا إلى سجن ريمون أجبته: “الوييز خفّفها” وتبيّن لي أنّه لم يسمع بتلك التقنيّة التي جاءت لهذا العالم بعد سجنه! فكيف لي أن أشرح لعاصم عجائب وغرائب المعايدات الواتسبيّة؟!؟

    264 كم من حيفا إلى جحيم أنصار 3 الصحراويّ كلّها تفكير بعاصم ورفاق دربه، وعاصم يفكّر بوالدته التي بدأت رحلتها المنتظمة إلى السجون لتزور أبناءها الخمسة لترحل فجر عيد الفطر الجريح 28 تموز 2014 في ذروة العدوان الإسرائيليّ على غزّة… وهي بانتظار عاصم! لم تحظ بدمعة فرح في مقلتيها ساعة عناق نجلها محرّرًا… فاض نهر أحزانها ولم يعد قلبها يحتمل مرارة أكثر، شقّت الأحزان جدول يوميّاتها ورسمت خارطة حياتها.

    حُرِم عاصم من عناق والدته، رحمها الله، ومعايدة أخواته، خطيبته وذويه وأحبّته، فكيف لنا أن نُعيّد دون التفكير بغيرنا؟ بعاصم ورفاقه خلف القضبان؟

    في طريق عودتي جاءتني كلمات محمود درويش فسمعت قصيدته “فكّر بغيرك” عشرات المرّات علّها تكون شعارنا:

    ” وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ – لا تَنْسَ قوتَ الحمام
    وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ – لا تنس شعب الخيامْ
    وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ – ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
    وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك – قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام”

    حيفا 5 يونيو 2019
    لكم أعزّائي أحمد، كميل وعاصم أحلى التحيّات. الحريّة لكم ولجميع رفاق دربكم من أسرى الحريّة، وكلّ عام وأبناء شعبنا بألف خير.
    حسن عبادي

    ***الأسير أحمد سعدات من مواليد 1953، من بلدة دير طريف في الرملة، حكمت عليه المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة يوم 25 كانون الأول 2008 بالسجن 30 عامًا.

    *** الأسير كميل أبو حنيش من مواليد 1975، من قرية بيت دجن، أُعتقل يوم 15 آذار 2004، حكمت عليه المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة بالسجن تسعة مؤبدات.

    *** الأسير عاصم الكعبي من مواليد 1978، من مخيم بلاطة، حكمت عليه المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة يوم 04 نيسان 2004 بالسجن 18 عامًا.

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.