سوسن كردوش قسيس، في “العربية السعيدة” وعيون الأدب الدنماركيّ

تاريخ النشر: 22/04/19 | 11:46

بقلم: د. محمد هيبي
منحتني السيدة سوسن كردوش قسيس، فرصة مراجعة كتابها قبل صدوره. وهي ثقة أعتزّ بها. قرأت رواية “العربية السعيدة” وتمتّعت بمضمونها وأسلوبها، وبلغة المترجمة التي تمكنت من الحفاظ على الأحداث وأسلوب السرد، وفيض المعلومات عن الدنمارك، منطلق البعثة، وعن الأقطار العربية، هدفها، في فترة زمنية مضت، لم تُغفل ما دار فيها من حروب ومخاطر جابهها المرتحلون.
الحديث عن “العربية السعيدة”، لا بدّ أن يشمل ثلاثة جوانب متعالقة، اجتمعت في عمل إبداعي واحد يستحقّ منّا كل الاهتمام والتقدير:
أولا، أدب الرِّحْلات، أدب جميل ومعروف منذ القدم، وفي العربية كُتب منه وعنه الكثير. فيه يحملنا الكاتب أو الرحّالة، في رحلة واقعية أو خيالية، يوثّق فيها كل ما واجهه من صعوبات ومخاطر، ويصف الأماكن وسكّانها وعاداتهم وثقافاتهم والمواقف التي واجهها معهم. ويكون ذلك عادة بلغة مباشرة ولكن جميلة وبأسلوب شائق، لأنّ الكاتب يُصرّ على جذب القارئ واصطحابه معه في رحلته. ويُعتبر أدب الرِّحلات من المراجع الجغرافية والتاريخية الهامّة، فالرحّالة ينقل الصورة الحقيقية للأوضاع المختلفة، وبتفاصيلها الدقيقة. كما يعكس الأوضاع الثقافية والحضارية التي سادت في البلاد التي زارها.
سمعتم بالتأكيد عن أشهر الرِّحلات التي أصبحت نماذج معروفة في الآداب العالمية: السندباد وحي بن يقظان والأوديسا وجلجامش ورسالة الغفران وأبو زيد الهلالي، وكلّها رِحلات خيالية أو أسطورية، يرتحل فيها البطل من مكان لآخر ويُواجه الأهوال. ولكن على أرض الواقع، هناك أيضا الكثير. اشتهر ابن بطوطة برحلاته الثلاث التي استمرّت ثلاثين عاما وصل فيها إلى أقاصي الشرق. وقد وثّق كل ما شاهده وسمعه، في كتابه المعروف “تُحفة النُّظّار وغرائب الأمصار في عجائب الأسفار”.
روايات أدب الرحلات هي روايات توثيقية دوافعها متعدّدة، وإلى جانب التوثيق، تنطوي على جانب ثقافي بالغ الأهميّة.
كانت دوافع ابن بطوطة شخصية، بينما رحلة ابن فضلان عام 921-924، إلى بلاد الترك والروس والصقالبة، كانت دوافعها دينية سياسية. وجدير بالذكر أنّ الأقطار العربية، كانت هدفا لكثير من الرحلات متعدّدة الأهداف، أهمّها الاستعمار. وللتمثيل فقط، أذكر كتابين مترجمين للغة العربية: الأول، ” Adventures in Arabia- مغامرات في بلاد العرب” (1927)، للرحالة الأمريكي ويليام سبروك، وقد خرج فيه عن المألوف فلم يكتب عن المدن الكبيرة، بل اهتمّ بالكتابة عن الأقليّات في العالم العربي مثل: البدو والدروز والدراويش واليزيدية. والثاني ” Arabian Sands- رمال عربية”، يصف رحلة في صحراء الربع الخالي، قام بها الرحالة الإنجليزي، ولفرد ثيسيغر، بين السنوات 1945-1950. والكتابان هما توثيق لرحلتين حديثتين نسبيا، بينما الرحلة التي قامت بها البعثة الدنماركية إلى العربية السعيدة، حدثت قبل حوالي مائتين وخمسين عاما، وكان هدفها اكتشاف اليمن السعيد ولماذا سمّي بهذا الاسم؟
*****
وهنا نأتي إلى الجانب الثاني، الرواية ومضمونها. في القرن الثامن عشر، وأثناء الحروب الطاحنة بين إنجلترا وفرنسا، وبسبب حياد الدنمارك، ورغم ضرورة حماية السفن التجارية الدنماركية التي تجوب البحار، من اعتداءات الكبار المتقاتلين، ولأنّ الدول الصغيرة، كما تقول المترجمة في مقدمة الكتاب، “تملك أوراقها أيضاً، وتستطيع أن تكسب بعض الجولات إن أحسنت فنّ اللعب بهذه الأوراق”، اغتنم الملك الدنماركي الفرصة وطرح ورقته، حين اقترح أحد المستشرقين على الحكومة الدنماركية، إرسال بعثة إلى المشرق. وقد وافق الملك رغم أن البلاد تمرّ فيما وُصِف آنذاك، بـ “الأوقات العصيبة” التي ستتعرّفون عليها أكثر عند قراءتكم الكتاب. انطلقت البعثة عام 1761 وهدفها اليمن، أو العربية السعيدة كما أطلقوا عليه، لاكتشاف معالمه والأسباب التي دفعت الغرب والشرق لتسميته بهذا الاسم.
“العربية السعيدة”، رواية من عيون الأدب الدنماركي، تسرد أحداث الرحلة من لحظة اقتراحها وحتى عودة كارستين نبيور، العائد الوحيد من الرحلة، والذي لولا جهوده في الرحلة وبَعْدها، لظلّت أخبار الرحلة واكتشافاتها مجهولة. ومع ذلك، ظلّ الاهتمام بها ضعيفا إلى أن جاء مؤلّف الرواية، توركل هانسن، وكتب روايته استنادا إلى ما بقي من وثائق الرحلة ومن يوميّات كارستين نيبور، بطل الرحلة والرواية.
بالنسبة للقارئ العربي عامة، يحمل الكتاب ثمرة جهود المترجمة، السيّدة سوسن كردوش قسيس، التي نقلت الرواية، من لغة أجنبية لا نعرفها، إلى لغتنا التي تحتاج منّا هذه الأيام، كل العناية والدعم، بسبب ما يكتنفها من مخاطر خلقها قانون القومية البغيض.
استغرق الإعداد للرحلة عدة سنوات، وذلك لأسباب تافهة غالبا، تتعلّق بكسل فون هافن، الدنماركي الوحيد الذي انْتُدِب للمشاركة في البعثة، وبسبب لامبالاته وأيمانه أنّ الرحلة لن تتمّ. وقد كان قبوله المشاركة فيها، انطلاقا من مصالحه وأهدافه الشخصية. وربما تكون مسألة اختيار الطاقم الذي سيقوم بالرحلة هي أهمّ خطوة في الإعداد لها، وربما أكثرها فشلا، لأنّنا أثناء قراءة الرواية سننتبه، في مرحلة الإعداد وعلى طول الرحلة، إلى الصراع الذي دار بين أعضاء الطاقم ومدى الخلاف والاختلاف وعدم الانسجام بينهم، من حيث دوافعهم لقبول المشاركة ومن حيث الفكر والتوجّه بعد الموافقة، والإقبال على العمل والاهتمام بالتنفيذ بعد بدء الرحلة.
وكأنّ مرحلة الإعداد وما سرقته من وقت ثمين، لم تكفِ، فجاءت أعاصير بحر الشمال لتُؤخّر الرحلة وتُعيد السفينة إلى كوبنهاغن، قبل انطلاقها مرة أخرى في الاتجاه الصحيح نحو البحر المتوسط إلى مرسيليا جنوب فرنسا، ثم إلى القسطنطينية متخطّية كل العقبات من جيوش متحاربة وقراصنة.
ومن هناك إلى الإسكندرية فالقاهرة. وفي السويس، استغلّ فون هافن فترة الانتظار وقام برحلته الفاشلة إلى سيناء، تلك الرحلة التي لولا اهتماماته الشخصية التافهة، لتمكّن من اكتشاف “المخطوطة السينائيّة”، وهي إحدى أهم مخطوطتين في العالم للعهد الجديد، يعود تاريخها إلى القرن الرابع، وتعتبر من أقدم المخطوطات التي تحتوي على معظم أسفار الكتاب المقدس. وقد تأخّر اكتشافها مدّة قرن كامل بسبب تقاعس هذا الرجل، فون هافن، الذي لم يترك أثراً تستطيع الدنمارك أن تُفاخر به”. فأقلّ ما يُقال فيه: إنّه كان عبئاً وعالة على البعثة وعلى خزينة الدولة.
من السويس انطلقت البعثة إلى جدة ثم إلى اليمن. ولن أدخل في التفاصيل لكيلا أفسد عليكم متعة القراءة. ولكن باختصار: يُقدّم لنا الكتاب، معلومات لم نكن نعرفها عن الدنمارك ولا عن بعض أجزاء وطننا العربي. وكل ذلك بأسلوب شائق جذّاب، فيه تركيز على أهداف الرحلة وأشخاصها، وخاصة على الصراعات الداخلية بينهم، والصراعات الخارجية التي واجهوها، ولم يُثنِ بعضهم إلّا الموت. فقد واجهوا إلى جانب خلافهم واختلافهم، الكثير من المخاطر والعقبات.
تجدر الإشارة أيضا إلى التضحيات التي قام بها أعضاء البعثة، وبشكل خاص، تضحيات كارستين نيبور، الناجي الوحيد الذي عاد إلى الدنمارك. ورغم ما أصابه من خيبة أمل نتيجة تغيّر الأوضاع السياسية وقلّة اهتمام رجال السياسة بما قامت به البعثة، رفض كلَّ العروض والوظائف، ونفى نفسه في زاوية بعيدة، وصبّ اهتمامه على انقاذ ما يمكن إنقاذه من منجزات البعثة. وقد أثمرت جهوده كتابا عن جزيرة العرب، ولكن الأبرز في عمله، كان تواضعه وإنكاره لذاته، واهتمامه بتخليد ذكرى زملائه وحماية ما أنجزوه.
أمّا الجانب الثالث والأخير فهو الترجمة. الترجمة من أهمّ وسائل اللقاء بين الحضارات. وقد عرّفتنا على حضارات الشعوب الأخرى وتاريخها ومنجزاتها العلمية والأدبية، الأمر الذي سهّل بناء الجسور بين الأمم.
ومن هنا، تأتي أهميّة ما قامت به المترجمة التي يحقّ لها أن تُفاخر بجهودها وما قدّمته وتُقدّمه للقارئ العربي من وجبات أدبية دسمة.
خلال أشهر قليلة من معرفتنا الشخصية، استطعت أن ألمس مدى رقيّ أخلاقها وحبّها للإنسان، ومدى أيمانها بما تقوم به من جهد، ومدى حرصها على إخراجه على أكمل وجه. أنا أراجع النصّ وأحاسبها على كل صغيرة وكبيرة، وهي أيضا تُراجع مراجعتي وتُحاسبني على كل صغيرة وكبيرة.
الكتاب الذي بين أيدينا هو ليس عملها الأول. فقد صدر لها عام 2017، الترجمة العربية لكتاب “مجرّد أنثى” للكاتبة الدنماركية، ليزا دورغورد. وهو ذكريات تُركّز فيها الكاتبة على ما تعانيه المرأة من قمع وتهميش، وعلى ضرورة تمرّدها لتتمتّع بحريّتها. لم يسمح لي الوقت بقراءة الرواية، ولكنّي قرأت رواية “زيارة طبيب صاحب الجلالة” التي ترجمتْها سوسن عام 2015، وهي للكاتب السويدي، بير أولوف إنكويست (Per Olov Enquist)، الذي عاش فترة من حياته في الدنمارك. وقرأت عن الرواية ما قاله الكاتب حسين سكّاف: “تصنّف “زيارة طبيب صاحب الجلالة” على أنّها رواية تاريخية، لأنّها تتناول أربع سنوات من عمر المملكة الدنماركية في زمن الملك كريستيان السابع الذي نُعِتَ بالجنون. وتحكي قصة انبثاق أول حركة تنويرية تتبنّاها السلطة في العالم من خلال التشريع وسنّ القوانين، والمهمّ أنّها اليوم بين يدي القارئ العربي، بجهود المترجمة الفلسطينية سوسن كردوش قسيس”.
جهود سوسن في الترجمة، هي ما منحنا فرصة القيام بالرحلة مع كارستين نيبور ورفاقه الذين اهتمّوا ببلادنا، وزاروها رغم قسوة الظروف، ليبحثوا عن معالمها الطبيعية والتراثية في جميع المجالات. فالرواية كما وصفتها المترجمة، تأخذ القارئ العربي في جولة مثيرة في أرجاء المشرق بطبيعته وغناه وتنوّع مركّباته.
لدى الطليان مقولة مشهورة تقول: “el traduttore traditore”، أي (المترجم خائن). وهذه المقولة لا تُجافي الحقيقة، فالسيّدة سوسن كغيرها من المترجمين، مهما حاولت أن تظلّ أمينة للمصدر، لا بدّ لها أن تتأثّر بطبيعة لغتها العربية، وتأخذ بالحسبان ذائقة القارئ العربي ومشاعره نحو لغته وأساليب تعبيرها. وهذه في الحقيقة مشكلة أيّ مترجم يُريد أن يُحافظ على التوازن بين أمانته للنصّ وحرصه على الإبداع. ولأنّ سوسن متمكّنة من اللغتين: الدنماركية والعربية، فقد أبدعت في نقل الرواية بلغة راقية تتلاءم مع ذائقة القارئ العربي، دون أن تخسر أمانتها للنصّ الأصلي. وقد حافظت على سير الأحداث والصراع والمعلومات الهامّة التي اكتشفها أعضاء البعثة. وقد استطاعت أن تؤثّر في مشاعر القارئ بحيث جعلته يُحبّ كارستين نيبور، الفلاح ابن الفلاح، المتواضع الذي يعمل بصمت، وكذلك يكره فون هافن الذي كادت الرحلة تفشل بسبب كسله وتقاعسه ونزعاته الشخصية.
وفي الختام، أتمنّى للمترجمة الصحة الوافرة والعمر المديد ودوام الإبداع والتألّق؛ فالترجمة هي أيضا أبداع، ومع هذا الفكر النيّر والجهود المباركة، ننتظر منها المزيد. (ألقيت المداخلة في أمسية إشهار كتاب “العربية السعيدة” للمترجمة سوسن كردوش قسيس – حيفا: نادي حيفا الثقافي، الخميس2019/04/11).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة