• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    نساء القصور على مر العصور ملكة قرطاج

    الدّهاءُ والجمالُ والتّصميمُ اجتمعوا بملكة قرطاج الأوّلى ابنة ملكِ صورٍ وزوجةِ الكاهن الثري (عاشر باص) اشتهرت “عليسة” بعدة أسماء ففي الأنيادة لفرجيل سميت “ديدو” وتعني الرّحالة وعُرفت في بعض المصادر الأفريقية ب “ديدون”. كما سميت بـ”أليسا” التي يعتقد أنّها كلمة فينيقية مشتقة من كلمة “اليشات”. وبدمجِ الاسمين في بعضِ المصادر عرفت ب “اليسار ديدون” أيّ “الرحالة ديدون”.

    كانت عليسة الابنه المدللة لماتان او موتو ملكِ مدينة صور الفينيقية وكانت زوجةُ خالها الكاهن الصوريّ الأعظم عاشرباص والذي عرف بزيكار بعل وكان واسعُ الثراء. والمالُ غالباً يجرّ المصائب حتّى من أقربِ النّاس. فهو أخوها وشريكها في الحكم بيغماليون بعدَ وفاةِ أبيها الملك قد عزم على قتلِ زوجها للسيطرة على ثروتهِ وحاول قتلها لكنّها استطاعت بدهاءٍ وحنكةٍ الفرار بثروة زوجها الطائلة في جنح الظلام. وفي رحلةٍ بحريّة طويلة بلا هدف سوى النجاة بحياتها. أوهمتْ عليسة الجميع بإلقاء كنوزِ زوجها في اليم لتكون قربانا لروحهِ الطاهرة ِ، ولتقطع الطريقَ أمامَ الطامعين فيها على ظهرِ السّفينة ..

    رستْ سفنُ عليسة في جزيرةِ قبرص وفيها عقدت الأميرةُ معاهدةً مع كبير كهنة آلهة الجمالِ عشترت وبمقتضي الاتفاق انضم كبيرُ الكهنة وأسرته إلى رفقة الأميرة بعد ضمان استمرار ولدهِ من بعدهِ. والغريب انضمام فتيات وهبن بتولتهن بحسب طقوس الآلهة عشترت وهو ما عرف قديماً بالبغاء المقدسِ وهو الأصلُ لجهادِ النكاحِ الشّائع لدى الجماعات المتطرفة اليوم وقد ذكرفي السّفر الأوّل من تاريخ هيرودتس ( إنّ أكبرَ المخزيات في بابل شعيرة تقليديّة مضمونها أن تقيم كلّ امرأة في معبد افروديت مرة في حياتها وتجامع غريباً أيّ كان).

    غادرت سفن عليسة قبرص لتطولَ رحلتها المحاطة بالمخاطر وتحطّ رحالها في محطةٍ جديدة وأرضٍ غريبة. حطتْ في أرضِ ملكِ المكسويين والّذي فاوضته للحصولِ على أرضٍ تبني عليها مدينتها إلا أن الأمير اكتفى بمنحها ما يساوي مساحةَ جلدِ ثور فقبلت وسط دهشةِ الحاضرين وقامت بقص جلدِ الثور إلى أشرطة دقيقةٍ طويلة أحاطتْ بها الهضبة والتي تُعرفُ بهضبةِ بيرصا وتعني جلد ثور …وكانت هذه المساحة الضئيلة نقطة البداية لبناء مدينة قرطاج (قَرْتْ حدشْتْ) العظيمة والتأسيس لحضارة متطورة قائمة على الملاحةِ والتجارةِ بينَ شرقِ البحر المتوسط وغربهِ في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد في منطقةٍ يسكنُها البربر الذين أعجبوا بهذهِ الأميرة ِ، وبهذه الحضارة الراقيّة التي نقلتها إلى أفريقيا …

    كان التطور الذي أحدثتهُ عليسة بقرطاج إضافة إلى جمالها الشرقيّ الفريد دافعاً لملكِ المكسويين لطلبِ الزّواج منها وهو ما مثل مأزقاً للأميرة وموقف لا تحسد عليه فالرّفضُ بمثابةِ إعلانِ حربٍ على مملكتها الوليدة والزواج منه هو تخلي عن ذكرها لزوجها الّذي بقيت مخلصة لروحهِ الطيبة ..وكان اختيارها هو الانتحار من أجل أن تهب الحياة لمملكتها الجديدة فجردت سيفا واغمدته في صدرها في مشهد حزين …ينقلنا هذا المصيرُ الذي شكلَ النهاية لبطلاتٍ كثيرات بحلقاتنا إلى محاولةِ الاقترابِ من فكرةِ الانتحار فأسباب الانتحار كثيرة إلا أنّ الانتحار لأسباب فلسفية ومنها أن يهب الحياة لآخرين أو أنه يرى الحياة قد خلتْ من مغزى حقيقي يدفعة للبقاءِ، يبدو أكثرها حيرة خاصة وأنّه السببُ الرئيس لانتحارِ المثقفين …وهل قرارُ الانتحار يبدو سهلاً أمام المقدمين على هذه الخطوة؟!! …إنّ فكرة أنَّ الشخص العازم على الانتحار هو شخص يودّ أن يموتَ!! هي فكرة خاطئة فالتوصيفُ الأصحُ أنّه شخصٌ يودّ أن يتخلص من ألمه ومتاعبه التي لا تحتملُ، ليس صحيح أن المنتحر جبانا فالانتحار ترتفعُ نسبته عندَ الأشخاصِ العرضة لحالاتِ العنف الشّديدِ مثل الجنود، بالإضافة للجانبِ الوراثي لدى هذه الفئة ايضاًقدرة على مقاومة الخوف من الموت وذلك من فرط الألفة مع الأفعال العنيفة والمؤلمه بحسب توماس جوينز المتخصص في علم النفس الاكلينيكي بجامعة فلوريدا مما يجعل الانتحار خيارا مألوفا لهم . عليسة الأميرة الأسطورية التي نقلتْ حضارةً راقية، وأسست لمملكةٍ بمساحة جلد ثور.

    أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة
    د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.