• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    تمرُّد حصان .!

    يومان .. لن أنساهما ما حييتْ .!
    اليوم السعيد , الذي رفض فيه حصاننا , الصعود الى السيارة , التي تنقل الحيوانات الى ذبحها.. طعاماً للحيوانات ..
    واليوم الحزين .. الذي صعدت فيه فرسنا الحمرا , ووقفت في سيارة اليهودي – تاجر الحيوانات ..
    صعدت الى السيارة . بوجه تخيِّم عليه , كل َّ مآسي الدنيا . .
    كأنها عرفت ,أنها مُقّادة الى المسلخ لذبحها , وتقديمها لحمها طعاماً , لسكان حديقة الحيوان في تل – أبيب .
    هذا اليهودي , يمرُّ بسيارته كلَّ يوم ثلاثاء , من الشارع الرئيسي الذي تحيطه قرى وادي عارة , فينتظره الفلاحون مع حيواناتهم , الذين قرَّروا بيعها له , إما أن تكون قد شاخت أو هزلت ,أو أن صاحبها هاجمه العَوَز , أو أن أرضه صادرها اليهود , ولم تعد له أرض تخدمها هذه الحيوانات .
    أما فرَسَنا , فقد قرَّر أبي بيعها , للأسباب السابقة جميعاً ..
    الفرس شاخت , وصارت تجد صعوبة كبيرة , في جرِّ عود الحراثة , وصادر اليهود أرضنا في الروحة .. وقلَّ المال بين أيدينا بعد صودرت أرضنا , ولم يبقَ لنا أرض نحرثها .

    شيعت الفرس حتى غابت سياة اليهودي عن عيني ..
    و تركت أبي ورائي .. وابتعدت عنه راجعاً الى البلد , كي أفرغ أحزاني ومقتي في بكاء مرير , استمرَّ من الشارع حتى بيتنا ..
    “اشترٍ لك فرساً , وتعال اشتغل في الأرض , كما كنت في السابق.!”.
    اقترح اليهودي , الذي وضع يده على أرضنا , بعد أن التقاه “يحوم” حول أرضه التي مُنع من دخولها..
    فاقترض أبي المال من أعمامي , واشترى مهراً صغيراً قبل التطبيع ..
    بعد أيام , بينما كنت ألعب مع أولاد الحارة , ناداني أخي وأخبرني أني مطلوب لأبي ..
    دخلت ساحة الدّار , فصادت عينايّ , مهراً أسوداً مربوطاً على مذود “المرحومة ” فرسنا ..
    وما أن لمحني حتى صاح بيَّ : ” تعال اركب .! ”
    ولما لاحظ تردِّدي : أكمل بحنيَّة وتشجيع لم أعهدها به فيه : ” مين بدّو يتطبعها غيرك يا ولد ! ” ..
    فساعدني على اعتلائه ..
    وما أن شعر المهر بوجودي على ظهره , حتى بدأ يرفع قائمتيه المتقدمتين الى أعلى تارة , وقائمتيه الخلفيتين تارة أخرى .. ويحرك جسمه الى الأمام والى الخلف , كقربة اللبن .. وأنا ارتفع فوقه ثم أحطُّ عليه .. يسحبني الى الأمام حتى أصل الى رقبته , ومن ثمَّ يرميني الى الوراء , حتى أكاد أسقط عنه من الخلف ..
    وأنا أصرخ وأستغيث .. وكلًّ محاولات أبي والجيران , لكبح جماح الحصان لم تُجدِّ نفعاً .
    وظلَّ على هذه الحال , يرميني ويتلقفني , ولم يستكن إلاّ بعد أن رماني أرضاً ..
    وخرجت من هذه الحادثة , بيد مكسورة , ورأس “مطبوش” , وجسم مرضوض ..
    فاستعان أبي بشاب من الجيران , له باع في تطبيع الخيل صغيرة السِّن وتدريبها , لتتحمل راكبيها , وتنخرط في سلك العمل ..فجدَّ واجتهد ,حتى استطاع ,أن يطوِّع الحصان لراكبيه ,ولمستخدميه في أعمال زراعة الآرض .
    ورأيت أبي لأوّل مرَّة يبكي ..
    كان يشهق وينوح , كأنه أسد مجروح ..
    كان يصيح من بين تفجرات شهقاته : ” أنا .. أنا أشتغل عامل بالإيجار في أرضي !؟ .. أنا !؟
    وعند إلّي استولى عليها .!؟ “.
    بكيت معه بأعلى صوتي .. وبكت معنا هضاب الروحة , وديانها وأشجارها ..
    وقفنا قبل وصولنا الى أرضنا , التي استولى عليها اليهودي , ونحن في طريقنا للعمل فيها ..لنبلع بكاءنا , ونمسح آثار دموعنا .!

    شيعتنا أمي , عند مغادرتنا الدّار , وهي تحبس دموعها: ” شو أجبرنا على المرّ !؟ .. إلّي أمرّ منه ..! ”
    وقف الحصان بجانبنا ساكناً , عيناه تسبحان في وجوم ثفيل .. شعرنا أنه يشاركنا بكاءنا على مصيرنا المرّ .
    وصلنا الى الحقول , فتقدّم منّا شمعون , وعندما قشعت عيناه الحصان , اقترب منه مرحِّباً مهللاً , وبدأ ” يحسِّس ” على رأسه وبطنه وظهره , وعندما وصل الى مؤخرته , رفع الحصان رجليه وضربه بكلتا رجليه , كنا نسميها “ضربة مِجْوِز” , رفعته عن الأرض عالياً , فخبط بالأرض , تلاحقه صرخاته التي ملأت أصداؤها جنبات الروحة .
    وعندما أسرعنا باتجاهه , لنستعلم ماذا جرى له , من جرّاء الرفسة , وجدنا الدماء تسيل من أماكن كثيرة من جسمه , ومن ثمَّ أغميَّ عليه وهو ينزف .
    فركب أبي الحصان , وطار باتجاه مستعمرته , وما هي إلا لحظات , حتى حضرت سيارة جيب و تقدمت منه , وبعد أن قدموا له الإسعافات الأولية , وضعوه فيها , وأخذوه معهم , أخبرني أبي أنهم نقلوه الى المستشفى , لأن إصاباته كانت خطيرة .
    وبعد أيام ,وصلنا خبر موت شمعون ..
    أوصلنا الخبر , رجل الشرطة وحرس الحدود , الذي حضروا الى بيتنا , واقتادوا أبي الى مركز الشرطة ..!
    وفي التحقيق معه , اتهموه بأنه هو الذي , حرّض الحصان على رفس شمعون ..
    والدافع , مصادرة أرضنا , والاستيلاء عليها من قبل شمعون .!
    وفي اليوم الثاني , حضرت سيارة شرطة , ترافقها سيارة شحن حمّلوا فيها الحصان , ونقلوه الى مركز الشرطة , وربطوه مسجوناً
    هناك .
    ” بيّتوا” أبي في السجن إسبوع .. قضاها في عذاب تحقيقاتهم وتجويعهم , ولمّا ” لم يأخذوا منه لا حق ولا باطل .!” , أطلقوا سراحه ..
    ولما خرج من باب السجن , توجه الى حصانه واعتلاه ومشى , وقبل أن يصل البوابة بخطوات معدودة ,سمع صوتاً يصرخ به من بعيد :
    ” وقّفْ مكانك .. ! وانزل عن الحصان ! .”
    كان ضابط السجن ..
    أوقف أبي الحصان ونزل عنه .. منتظراً أوامر أخرى من الضابط..
    تقدَّم الضابط من الحصان , وتناول رسنه من يد أبي , وتمتم من بين أسنانه :” هذا الحصان ما حدا مدبره .. أنا له .!”.
    وبقفزة قوية اعتلى ظهر الحصان ..
    وما أن شعر الحصان بجسم الضابط على ظهره , حتى صار يخوض بجسمه ويسوف , ويرافس بالفرد والمجاوز , والضابط يصرخ ويستغيث , حتى رماه أرضاً ..!
    وذلك وسط ضحكات أفراد الشرطة المتشَّفية , الذين تركوا مكاتبهم وخرجوا ليشاهدوا , هذا المشهد العجيب الذي يحدث أمامهم .
    أسرع جميع الحاضرين باتجاه الضابط المصاب .. فوجدوا الدم ينزف من رأسه .. ويصيح من الآلام التي تشتعل في كل جسمه ..
    تبيَّن بعد لك , أن ثلاثة ضلوع له فد كُسِرت , بالإضافة الى الإصابة البالغة في رأسه , والرضوض والكدمات ..
    أسعفوه ونقلوه الى المستشفى ..
    وأدخلوا أبي مرة أخرى الى السِّجن .!
    وقرّروا بعد مداولات كثيرة , أن يبيعوا الحصان لليهودي , صاحب السيارة التي تبتاع من الفلاحين بهائمهم , وتوصلها لحيوانات حديقة الحيوانات .
    وفي يوم الثلاثاء , اليوم التي تمرُّ به السيارة , كانت مجموعة من رجال الشرطة ومعهم الحصان , يحيط بهم العشرات من فلاحي بلدنا وأولادهم .. وكنت أنا وأبي من بينهم ..
    تجمعنا لوداع الحصان الذاهب الى الموت ..
    كان الحزن المقهور , يخيّم على وجوه الجميع ..
    نظرت الى الحصان ,فكان واقفاً ,لا تتحرك فيه إلاّ رموش عينيه.!
    وقفت السيارة , وفتح اليهودي باب السيارة , وأنزل منها خشبة عريضة التطمت بالأرض , وأشار لرجال الشرطة بأن يقرِّبوا الحصان منها , ليعتلي بواستطها الى السيارة .
    حاولوا كلَّ المحاولات , كي يتزحزح الحصان من مكان ,ولكنه بقي واقفاً مكانه كالصخرة ..
    استعملوا جميع الإغراءات , والصيحات والصرخات ..لكي يتحرَّك من مكانه ولو قيد أنملة .. فلم ينجحوا في زحزحته ..
    وإذا بأحد رجال الشرطة , يضرب الحصان , بعصا كانت معه ..
    وهنا بدأ الحصان برفع فامتيه الخلفيتين , ويرفس كلّ من خلفه , فهرب الجميع من حوله , وعلى رأسهم رجال الشرطة , الذين ركبوا سيارتهم , وهربوا تاركين الحصان وراءهم ..
    أما صاحب سيارة الحيوانات , فقد ركب سيارته مبتعداً عن المكان.!
    تقدَّم أبي من الحصان , الذي كان فد سكن , ورجع الى هدوئه , فاعتلاه وركبت وراءه , ورجعنا الى البلد .

    يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.