• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    الذي لا ينام

    وقف والحيْرة تعصره، أيندفعُ أم يتقهقر ؟! أيتقدّم – والتقدُّم من شِيّمه -أم يتراجع ؟ لقد مرَّ بمواقف أشدّ وأقسى .
    واندفع غير هيّاب لا يحسب للغيب حسابًا ولا للمستقبل …وكيف يهاب ويتزعزع وهو يُتقن مهنته اتقانًا ما بعده اتقان؟!…. لا بل علّم غيره فنّ هذه المهنة ، لقاء بعضٍ من مال يعبده بعض الناس.
    لقد أسّس مدرسة نشطة أمَّها صبيةُ الأُسَر المُهلّهلة ، فدرسوا وطبّقوا وأجادوا واعترفوا لمعلّمهم بالفِطنة والجدارة وحُسن التصرّف ، فحاز على صيت وصل الى ما بعد الحدود.
    غريب…إنَّ في نفسه حربًا ضروسًا بين الإقدام والإحجام ، ولكنّه متأكد أنَّ الأمر هيّنٌ، فالهدف قريب وواهن الأسس .
    نعم واهن وانٍ …إنها عجوزٌ عضّتها السنون بنابها ؛ عجوزٌ جاثية عند أقدام المصلوب تناجيه :” إيه يا حَمَل الله …إيه أيّها المعلّم الصّالح يا رافع خطايا العالم ، نِذرًا انذره لك ، انني وهبتك نفسي وكلّ ما أملك من مال ومتاع منذ هذه الساعة ، هي لك ولقدّيسيكَ ولجمعياتك الخيرية ، للجياع واليتامى والمُشَرَّدين …. نعم ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسرَ نفسَه ؟…ربّاه ..أتضرّع اليكَ سائلةً أن تعيد كل مَنْ حادَ عن جادة الصّواب والإنسانية إلى حظيرتك الإلهية ، لنأكل بشرف ، ونشرب بشرف ،ونموت بإيمان .
    واقترب وكُلّه آذان ، والرّعشة الغريبة تهزُّ أعصابه …ماذا دهاه ؟ لقد سرق كاهنًا دون أن يهتزّ له عَصَب ، ودون أن يرتعش إطلاقًا ، فالأمر في مُنتهى الغرابة ، لكن سأنتظر قالَ : سأنتظر لعلّها سحابة صيف وتمرّ ، ويمُرّ معها كل شيء.
    وفعلًا هدأ كلّ شيء الا شخير العجوز ، فقد انطلق هذا الشّخير يشقّ سكون الغرفة ..
    ونظرَ اليها طويلًا ، وأنعم النظر ، انها تنام بهدوء وابتسامة حييّة ترتسم على مُحيّاها .
    ماذا يمنعني الآن من العمل ؟!!- قال في نفسه- فالكلّ نيام ، نعم نيام ….وأطرقَ هُنيهة وغاص في تفكير عميق .ورفع نظره إلى الحائط فإذا بالمصلوب يبتسم له بحنان ، فانكمش قلبه وارتعش . ….آه نسيت ، نعم لقد نسيت أنّ المصلوب لا ينعس ولاينام ، وأنسلّ في هدوء وطواه الظلام والسكون العاصف!!.
    وفي غرفة صغيرة، عند أقدام التلّة ، ينفتح شُبّاكها لشعاع القمر، جثا رجلٌ عند أقدام المصلوب وصلّى بحرارة : ” إيه يا سيّد ، أنا وما املك منذ السّاعة لك ، “فماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه !!”.
    وسحّت من عينيه دمعتان تلألأتا تحت الشُّعاع.

    بقلم : زهير دعيم

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.